“حين ينتهي الجسد ولا تنتهي الكرامة.. جثامين مجهولي الهوية في سبتة تفتح سؤال الإنسانية”
سبتة-أولى نيوز.
في سبتة، لا تبدو الحكاية مجرد فصل جديد من فصول الهجرة غير النظامية، ولا مجرد أرقام إضافية في سجل مأساة إنسانية عابرة. هناك، في مقبرة سيدي مبارك الإسلامية، ترقد جثامين شباب فقدوا حياتهم وهم يحاولون عبور البحر، بينما بقيت أسماء معظمهم معلقة بين ذاكرة عائلات تنتظر خبراً، وسجلات رسمية لا تزال عاجزة عن منح كل جسد اسمه وهويته.
المعطيات المنشورة خلال الأيام الأخيرة تفيد بأن 82 جثماناً جرى انتشالها في أعقاب مأساة 30 يوليوز، بينما لم يتم التعرف، في المراحل الأولى، إلا على عدد محدود منها. ومع تعذر إعادة عدد من الجثامين إلى المغرب، بدأت عمليات الدفن في مقبرة سيدي مبارك، وفق الطقوس الإسلامية، مع وضع أرقام على القبور بدل الأسماء بالنسبة إلى الحالات التي لم يتم التعرف على أصحابها. (El Faro de Ceuta)
قد يبدو الرقم، للوهلة الأولى، مجرد وسيلة إدارية. لكنه في هذه المأساة يحمل معنى أعمق بكثير.
فالرقم الموضوع على القبر لا يعني أن صاحبه تحول إلى رقم، بل يعني أن هناك هوية لم تُستعد بعد، وأن الباب لم يُغلق نهائياً أمام احتمال أن يأتي يوم تحمل فيه عائلة مغربية صورة ابنها، أو وثيقة من وثائقه، أو عينة من حمضه النووي، لتقول: «هذا واحد منا».
وهنا تبرز أهمية العمل الجنائي والطب الشرعي في مثل هذه الحالات. فقد أفادت تقارير صحافية بأن عمليات التعرف على بعض الضحايا تمت بواسطة البصمات أو اختبارات الحمض النووي، كما تم الاحتفاظ بمعطيات وترميزات تسمح بإمكانية العودة إلى الملفات مستقبلاً، بما يفتح المجال أمام التعرف على بعض الجثامين أو طلب استخراجها وفق الإجراءات القانونية. (Cadena SER)
وهذا هو الفارق بين جثمان مجهول وجثمان منسي.
المجهول قد يستعيد اسمه يوماً ما؛ أما المنسي، فقد يُغلق ملفه إلى الأبد.
واللافت أيضاً أن عمليات الدفن تمت وفق الشعائر الإسلامية، حيث وُجهت الجثامين نحو القبلة ودفنت على الجانب الأيمن، مع إقامة الصلاة والدعاء عليها. وتظهر التغطيات الإسبانية أن عملية الدفن جرت في مقبرة سيدي مبارك وبمراعاة الطقوس الإسلامية. (RTVE.es)
في هذه اللحظة تحديداً، يصبح من الضروري الفصل بين الإنسان وبين الملف الذي كان يحمله في حياته.
يمكن للدولة أن تكون صارمة في مراقبة حدودها. ويمكنها أن تعتبر الهجرة غير النظامية قضية أمنية وقانونية. ويمكن أن تختلف الحكومات في سياساتها ومقارباتها للحدود والهجرة. لكن كل ذلك لا ينبغي أن يلغي حقيقة بسيطة.. الموت لا يُسقط عن الإنسان كرامته.
فالذي وصل إلى الضفة الأخرى لم يعد مهاجراً غير نظامي في تلك اللحظة؛ أصبح جثماناً يحتاج إلى الحماية القانونية والإنسانية، وأسرة تحتاج إلى معرفة مصيره، وذاكرة تحتاج إلى اسم.
ومن هنا، فإن التعامل المحترم مع جثامين الضحايا لا يعني بالضرورة الاتفاق مع سياسة الدولة الإسبانية في مجال الهجرة، كما أن الإشادة بجانب إنساني في تدبير مأساة لا تعني تبرئة أي جهة من مسؤولياتها السياسية أو القانونية بشأن أسباب المأساة نفسها.
بل إن الإنسانية الحقيقية تبدأ عندما نستطيع أن نقول الأمرين معاً.. ننتقد السياسات حين تستحق النقد، وننصف المواقف الإنسانية حين تستحق الإنصاف.
ما حدث في سيدي مبارك يضعنا أمام سؤال أكبر من الحدود والأسلاك والممرات البحرية: ماذا يبقى للإنسان عندما يفقد اسمه؟
يبقى له جسده.
وتبقى له كرامته.
وتبقى لعائلته حقوقها في معرفة الحقيقة.
ويبقى للمجتمع واجب ألا يسمح بأن يتحول الموتى إلى مجرد أرقام في تقرير إخباري.
ولعل أقسى ما في المشهد أن بعض القبور تحمل أرقاماً بدل الأسماء. لكن الرقم، في حد ذاته، يمكن أن يكون أيضاً وعداً صامتاً بأن البحث لم ينته بعد؛ وأن هوية مجهولة اليوم قد تصبح اسماً معروفاً غداً.
وفي مأساة الهجرة، ربما تكون هذه واحدة من آخر المساحات التي يمكن أن تلتقي فيها الإنسانية مع القانون.. أن نحفظ للميت أثراً، وللعائلة أملاً، وللحقيقة باباً مفتوحاً.
أما العبارة المتداولة والمنسوبة إلى ابن تيمية بشأن إقامة الدولة العادلة وإن كانت كافرة، فلا حاجة إلى تحميل النص أكثر مما يحتمل أو تقديم نسبتها كحقيقة قطعية دون توثيق. فالمغزى الأخلاقي الذي تستحضره يكفي بذاته: العدل لا يحتاج إلى جنسية، والكرامة الإنسانية لا تتوقف عند المعابر الحدودية.
فالإنسان إنسان قبل أن يكون مهاجراً، وبعد أن يصبح جثماناً.
وقد تنتهي رحلة صاحبه في البحر، لكن كرامته يجب ألا تنتهي معه.
إعداد.. محمد النوري.