“حماد أوباحدو.. عالم الفيزياء الذي غاب جسداً وبقي اسمه في ذاكرة العلم”

0 22

أم اللعب-أولى نيوز.

حتى لا ننسى رجالات العلم الذين أنجبتهم مناطقنا، وحتى لا تطمس الذاكرة أسماءً صنعت الفرق بعيداً عن الأضواء، تستعيد هذه السطور سيرة عالم الفيزياء النووية الدكتور حماد أوباحدو، أحد أبناء منطقة ملاعب بإقليم الرشيدية، الذي ارتبط اسمه بالبحث العلمي والفيزياء النووية، قبل أن تنتهي حياته في ظروف أثارت، ولا تزال، الكثير من الأسئلة.

وُلد الدكتور حماد أوباحدو سنة 1958 بقرية خطارة أغروض، التابعة لجماعة ام اللعب بإقليم الرشيدية. وفي سنة 1967، بدأ مساره الدراسي بمدرسة قريته، قبل أن ينتقل إلى مدينة كلميمة، حيث تابع دراسته الإعدادية بإعدادية غريس، وحصل على دبلوم التعليم الإعدادي سنة 1972.

واصل أوباحدو مساره العلمي بثانوية سجلماسة بمدينة الرشيدية، ليحصل سنة 1975 على شهادة البكالوريا بميزة ممتازة، وهي النتيجة التي فتحت أمامه أبواب التعليم الجامعي العالي، فالتحق بكلية العلوم التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث تخصص في الفيزياء، وحصل سنة 1979 على الإجازة في الفيزياء النووية.

لم يكن التفوق الدراسي بالنسبة إليه محطة نهائية، بل كان بداية لمسار علمي أكثر اتساعاً. فقد انتقل إلى فرنسا لمتابعة دراساته العليا بجامعة نانت، حيث واصل أبحاثه في مجال الفيزياء النووية، قبل أن يناقش أطروحته للدكتوراه بتاريخ 12 دجنبر 1986، حول موضوع يتعلق بدراسة الجسيمات الخفيفة المنبعثة بالتزامن مع الأجسام الشبيهة بالمقذوفات في تفاعل Ar + Au عند طاقة 35 MeV لكل نوكليون.

ومن الجامعة إلى مختبرات البحث العلمي، أخذ مسار أوباحدو منحى أكثر تخصصاً، إذ ارتبط اسمه بأبحاث متقدمة في مجال الإشعاع والفيزياء النووية وتكنولوجيا الأيونات الثقيلة، وهي مجالات علمية دقيقة تتطلب تكويناً عالياً وتجربة بحثية متخصصة.

وفي جامعة كان الفرنسية، كما تروي شهادات متداولة عن مساره، استطاع الباحث المغربي أن يفرض حضوره العلمي والإنساني وسط محيط أكاديمي وثقافي متنوع. ولم يكن حضوره قائماً على المعرفة العلمية وحدها، بل امتد إلى علاقات إنسانية مع عدد من الباحثين والمثقفين والأدباء، الذين وجدوا فيه شخصية تجمع بين قوة التكوين العلمي، والاعتزاز بالهوية، والتواضع في التعامل.

وبمرور الوقت، تحول أوباحدو من مجرد باحث قادم من المغرب إلى شخصية علمية تحظى بالاحترام داخل محيطها الجامعي، مستفيداً من رصيد علمي وأخلاقي جعل اسمه حاضراً لدى أصدقاء وزملاء عرفوه عن قرب.

غير أن مسيرة هذا العالم ستتوقف بشكل مفاجئ في 19 أبريل 1993، في حادثة سير بمدينة قرطبة الإسبانية، وفق الرواية المتداولة حول وفاته. ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد قصة حماد أوباحدو مجرد سيرة عالم مغربي رحل مبكراً، بل أصبحت أيضاً موضوعاً للأسئلة والروايات المتباينة حول ظروف وفاته.

وتتحدث روايات متداولة عن أنه كان، في تلك المرحلة، يجمع بين التدريس بجامعة محمد الخامس بالرباط والبحث العلمي في فرنسا، وأنه كان منهمكاً في أعمال بحثية مرتبطة بمراكز علمية متخصصة في مجال الفيزياء النووية والأيونات الثقيلة. كما أشارت روايات إلى تلقيه اتصالاً من كلية العلوم بالرباط دعته إلى العودة إلى العاصمة المغربية لأمر وُصف بالطارئ.

هذه المعطيات، إذا ما أريد لها أن تتحول من روايات متداولة إلى حقائق تاريخية، تحتاج إلى العودة إلى الوثائق الرسمية والأرشيفات الجامعية والقضائية والصحافية، خصوصاً أن الحديث عن وجود شبهة اغتيال أو تدخل بشري في وفاته يبقى ادعاءً يحتاج إلى أدلة موثقة ولا يمكن تقديمه كحقيقة ثابتة دون تحقيق مستقل ووثائق حاسمة.

ومع ذلك، فإن قيمة حماد أوباحدو لا تختزل في الطريقة التي انتهت بها حياته، بل في الأثر الذي تركه خلال السنوات التي قضاها في الدراسة والبحث والتدريس. فقد كان واحداً من أبناء منطقة هامشية جغرافياً استطاع أن يشق طريقه إلى المؤسسات الجامعية ومراكز البحث الأوروبية، حاملاً معه طموح شاب قادم من الجنوب الشرقي المغربي، ومؤمناً بأن العلم يمكن أن يكون جسراً بين القرية الصغيرة والعالم الكبير.

إن استحضار سيرة حماد أوباحدو اليوم ليس مجرد وقوف عند ذكرى رجل رحل قبل أكثر من ثلاثة عقود؛ إنه أيضاً إعادة طرح سؤال أوسع حول ذاكرة الكفاءات المغربية التي صنعت مسارات علمية متميزة خارج دائرة الضوء، وحول مسؤولية المؤسسات والمجتمع في حفظ سير هؤلاء وتعريف الأجيال الجديدة بهم.

فمن ملاعب وكلميمة والرشيدية إلى الرباط ونانت وكان، قطع حماد أوباحدو مسافة طويلة في زمن لم تكن فيه الطريق إلى الجامعات ومراكز البحث العالمية متاحة بالسهولة التي نعرفها اليوم.

ولهذا، فإن تخليد اسمه داخل المؤسسة التعليمية التي تحمل اسمه في جماعة ملاعب بإقليم الرشيدية، يكتسي أكثر من دلالة؛ فهو يربط الأجيال الجديدة بسيرة رجل جعل من العلم مساراً للحياة، ويؤكد أن المناطق البعيدة عن المركز يمكن أن تكون خزّاناً حقيقياً للكفاءات والطموحات.

رحم الله الدكتور حماد أوباحدو، وجعل العلم الذي تركه والأثر الذي خلفه في ميزان حسناته. فالأجساد ترحل، لكن أسماء الذين خدموا المعرفة بصدق تستطيع أن تبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال.

#كلميمة #غريس #ملاعب #الرشيدية #حماد_أوباحدو #الفيزياء_النووية #ذاكرة_العلم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.