“علي الطرشي.. من ذاكرة بنسليمان إلى صمت القاضي في قضايا المال العام”

0 18

الدار البيضاء-أولى نيوز.

في زمن أصبحت فيه الأسماء تُصنع أحياناً قبل أن تصنعها التجربة، وتتحول فيه الشهرة إلى معيار سريع للحضور، تبدو بعض المسارات المهنية جديرة بالقراءة لأنها سلكت الطريق المعاكس تماماً؛ طريق التدرج، والتراكم، والابتعاد عن الأضواء. ومن بين هذه المسارات يبرز اسم المستشار علي الطرشي، ابن مدينة بنسليمان، الذي وجد نفسه خلال السنوات الأخيرة في قلب عدد من الملفات القضائية التي استقطبت اهتماماً واسعاً، بحكم طبيعة القضايا والأسماء التي وردت فيها، لا بحكم رغبة شخصية في الظهور أو صناعة الحضور الإعلامي.

من بنسليمان إلى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، لا تبدو المسافة مجرد انتقال جغرافي من مدينة إلى أخرى، وإنما تختصر مساراً مهنياً انتهى بصاحبه إلى واحدة من أكثر واجهات القضاء حساسية، حيث تُعرض ملفات تتقاطع فيها المسؤولية العمومية مع المال العام، والصفقات مع التدبير، والوقائع المالية مع المسؤوليات الجنائية. وفي هذا النوع من القضايا، لا تكفي الحكايات ولا الانطباعات، لأن الملف القضائي في النهاية لا يعترف إلا بما يمكن إثباته ومناقشته أمام المحكمة وفق القواعد القانونية.

تحتفظ بنسليمان، مثل كثير من المدن المغربية، بذاكرة خاصة عن أبنائها الذين غادروا فضاءهم المحلي نحو مسارات مهنية مختلفة. وفي الذاكرة المحلية المرتبطة بعائلة المستشار علي الطرشي، يرد أيضاً اسم والده المعروف بلقب «المقدم الزوين»، وهي تسمية شعبية ارتبطت، وفق ما يتداول محلياً، بصورة رجل قريب من الناس وحسن المعاملة. غير أن هذه التفاصيل تبقى جزءاً من السياق الاجتماعي للرجل، ولا يمكن أن تكون تفسيراً لمساره القضائي، لأن المؤسسات لا تبني مواقعها على الألقاب العائلية، وإنما على التكوين والخبرة والمسؤولية المهنية.

ولعل أهم ما يميز المسار القضائي لعلي الطرشي أن اسمه لم يدخل إلى التداول العمومي من بوابة التصريحات أو المواقف السياسية، وإنما ظهر في الأخبار كلما كانت المحكمة التي يترأس إحدى هيئاتها تنظر في ملف كبير. وهنا تكمن مفارقة المهنة القضائية؛ فالقاضي الذي يفترض فيه الابتعاد عن صناعة الصورة الشخصية قد يجد نفسه، بحكم موقعه، في قلب مشهد إعلامي واسع، بينما تفرض عليه طبيعة وظيفته أن يبقى أقل حضوراً من القضية التي ينظر فيها.

ارتبط اسم المستشار علي الطرشي خلال السنوات الماضية بعدد من الملفات التي أثارت اهتمام الرأي العام، من بينها قضية «باب دارنا»، وملف محمد مبديع، ثم ملف «إسكوبار الصحراء»، وهي قضايا تختلف من حيث طبيعتها ووقائعها وأطرافها، لكنها تلتقي في كونها وضعت القضاء أمام ملفات ذات حساسية خاصة، وجعلت جلسات المحاكمة محط متابعة إعلامية مكثفة.

في قضية «باب دارنا»، كانت المحكمة أمام ملف عقاري شغل الرأي العام بسبب عدد المتضررين وطبيعة الوقائع موضوع المتابعة، وقد أصدرت غرفة الجنايات المختصة في جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء أحكاماً في حق عدد من المتابعين. وفي مثل هذه الملفات، لا يكون القاضي أمام واقعة منفردة، وإنما أمام مجموعة من الوثائق والتصريحات والخبرات والمعطيات التي يتعين تقييمها داخل الإطار الذي يسمح به القانون.

ثم جاء ملف محمد مبديع، الوزير السابق والرئيس الأسبق لجماعة الفقيه بن صالح، ليضيف محطة أخرى إلى هذا المسار. وبعد سنوات من المتابعة القضائية وعشرات الجلسات، وصلت القضية إلى مرحلة النطق بالحكم أمام هيئة ترأسها المستشار علي الطرشي، وانتهت المرحلة الابتدائية بإدانة مبديع بعقوبة سالبة للحرية وأحكام أخرى في حق متابعين معه، وفق ما أوردته وسائل إعلام مغربية. ومهما كان النقاش الذي رافق الملف، فإن القراءة الصحافية السليمة تقتضي الفصل بين الوقائع التي ناقشتها المحكمة وبين المواقف السياسية أو الإعلامية التي أحاطت بالقضية، كما تقتضي التمييز بين الحكم الابتدائي والمآل النهائي لأي ملف.

غير أن اسم علي الطرشي سيصبح أكثر حضوراً في المشهد الوطني مع ملف «إسكوبار الصحراء»، إحدى أكثر القضايا التي أثارت اهتماماً إعلامياً وشعبياً خلال السنوات الأخيرة. ففي 25 يونيو 2026، كانت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء على موعد مع جلسة النطق بالأحكام في المرحلة الابتدائية من هذا الملف، وكانت الهيئة القضائية برئاسة المستشار علي الطرشي. وأصدرت المحكمة أحكاماً مختلفة في حق عدد من المتابعين، من بينها 12 سنة سجناً نافذاً في حق عبد النبي بعيوي و10 سنوات في حق سعيد الناصري، وفق ما أوردته وسائل إعلام مغربية.

في ذلك اليوم، لم تكن قاعة المحكمة مجرد فضاء لإجراء مسطرة قضائية عادية؛ فقد كان الاهتمام الإعلامي بالقضية كبيراً، وكانت أسماء معروفة في السياسة والرياضة والاقتصاد حاضرة في تفاصيل الملف، وهو ما جعل الأنظار تتجه بقوة إلى الهيئة التي ستصدر الحكم. ومع ذلك، فإن وظيفة القاضي في مثل هذه اللحظات لا تتغير بسبب حجم الاهتمام المحيط بالقضية. يبقى الملف هو الملف، وتبقى المرافعات مرافعات، وتبقى المداولة محكومة بالقانون.

وهنا ربما تكمن أصعب نقطة في العمل القضائي: أن يكون القاضي حاضراً بقوة داخل المؤسسة، وغائباً تقريباً عن المشهد الشخصي. فلا مكان للخطاب السياسي داخل منصة القضاء، ولا ينبغي أن يتحول القاضي إلى شخصية إعلامية، ولا أن يصبح الحكم وسيلة لصناعة صورة شخصية. فالقرار القضائي في النهاية ليس رسالة شخصية من القاضي إلى المجتمع، وإنما عمل مؤسساتي يخضع للقانون والتعليل وطرق الطعن.

ومن هذه الزاوية، فإن قراءة مسار علي الطرشي لا ينبغي أن تنزلق إلى صناعة بطل قضائي، كما لا ينبغي أن تتحول إلى تقييم شخصي لأحكام صدرت عن هيئات ترأسها. الصحافة يمكنها أن تتابع الملفات، وأن تقرأ السياقات، وأن تطرح الأسئلة حول تدبير المال العام والمسؤولية والمحاسبة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المحكمة في تحديد المسؤوليات الجنائية.

وقضايا جرائم الأموال تحديداً تفرض هذه المسافة أكثر من غيرها، لأنها تقع عند نقطة تقاطع حساسة بين القانون والسياسة والاقتصاد وتدبير الشأن العام. فحين يتعلق الملف بصفقة عمومية أو مشروع جماعي أو تدبير مالي، فإن انعكاساته لا تتوقف عند الأشخاص المتابعين، وإنما تمتد إلى أسئلة أوسع حول الحكامة والرقابة وحماية المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة.

لكن حماية المال العام لا يمكن أن تتم خارج القانون، كما أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تتحول إلى محاكمة إعلامية. وهذه المعادلة هي التي تجعل قضاء جرائم الأموال أمام اختبار دائم: المجتمع يريد نتائج، والمتهم له حقوق، والنيابة العامة لها صلاحياتها، والدفاع له دفوعه، والمحكمة مطالبة في النهاية بأن تبني قرارها على ما يعرض أمامها من عناصر وما يسمح به القانون.

ولذلك، فإن قيمة أي مسار قضائي لا تقاس فقط بعدد الأحكام التي تصدر، وإنما أيضاً باحترام المسطرة وضمان حقوق الأطراف وتسبيب القرارات وإتاحة طرق الطعن التي يقررها القانون. وهذه المبادئ لا تتغير عندما يكون المتابع شخصاً عادياً، ولا عندما يكون اسماً معروفاً، ولا عندما تكون القضية تحت مجهر الإعلام.

من «باب دارنا» إلى ملف محمد مبديع، وصولاً إلى «إسكوبار الصحراء»، تكرر اسم علي الطرشي في قضايا جعلت غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء واحدة من أكثر فضاءات القضاء متابعة من طرف الرأي العام. وفي كل مرة كان القاضي يجد نفسه في واجهة المشهد بحكم موقعه، لا بحكم اختياره.

وهذه ربما هي المفارقة الأكثر وضوحاً في المسار: كلما ارتفع صوت القضية في الخارج، كان على القاضي أن يخفض صوته في الداخل؛ لأن منصة القضاء ليست مكاناً لصناعة النجوم، وإنما مكاناً للفصل في النزاعات وتطبيق القانون.

ومع انتقال بعض الملفات إلى مراحل الاستئناف، تستمر القاعدة نفسها: الحكم الابتدائي ليس دائماً نهاية الطريق، والقراءة الصحافية المسؤولة لا تتعامل مع أي مرحلة من مراحل التقاضي باعتبارها خاتمة نهائية قبل استنفاد المساطر القانونية.

أما علي الطرشي، ابن بنسليمان، فقد أصبح اسمه خلال السنوات الأخيرة مرتبطاً بصورة قاضٍ وجد نفسه أمام ملفات ثقيلة في واحدة من أكثر غرف القضاء حساسية. وربما لا تحتاج هذه السيرة إلى كثير من التجميل؛ فالمسار نفسه يحمل ما يكفي من التفاصيل ليكون موضوعاً صحافياً قائماً بذاته.

من مدينة مغربية تحفظ ذاكرة أبنائها، إلى قاعة قضائية تتابعها عيون الرأي العام، تبدو الرحلة طويلة، لكنها في جوهرها رحلة مهنية داخل مؤسسة يفترض أن تكون أكبر من الأشخاص جميعاً.

وفي النهاية، لا يبقى القاضي في ذاكرة الناس بما قاله عن نفسه، وإنما بما تركته الملفات من أحكام وتعليلات ومسارات قضائية قابلة للقراءة والمناقشة والمراجعة. وفي مهنة تقوم على سلطة القانون، قد يكون الصمت بالفعل أكثر حضوراً من الكلام، لأن القاضي حين يجلس على المنصة لا يحتاج إلى أن يروي سيرته؛ فالملف أمامه، والقانون فوقه، والحكم وحده يملك حق الكلام.
تقرير إعداد.. محمد النوري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.