“فاطمة عدنان والتزكية الجهوية.. حين تكشف لائحة النساء عن الحسابات الكبرى لحزب الكتاب بجهة درعة تافيلالت”
انتخابات-أولى نيوز.
لم تعد قضية فاطمة عدنان، وما رافق اسمها من جدل بشأن قيادة اللائحة الجهوية النسائية لحزب التقدم والاشتراكية بجهة درعة تافيلالت، مجرد تفصيل تنظيمي عابر يمكن اختزاله في انتقال اسم من موقع إلى آخر. فخلف هذا النقاش الذي يبدو، في ظاهره، متعلقًا بتزكية امرأة لقيادة لائحة انتخابية، تبرز أسئلة أكبر حول طريقة صناعة القرار داخل الأحزاب، وحول العلاقة بين المسار النضالي والرهان الانتخابي، والأهم حول قدرة حزب الكتاب على قراءة الخريطة السياسية والانتخابية للجهة بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
البلاغ الصادر عن الحزب عقب اللقاء الجهوي المنعقد يوم 28 غشت 2026 بمدينة الرشيدية يقدم رواية واضحة من وجهة نظر المؤسسة الحزبية؛ إذ يؤكد أن فاطمة عدنان، «بعد التشاور معها»، أبدت روحًا من «نكران الذات» وتنازلت عن التزكية الجهوية للائحة النسائية، قبل أن يتم الاتفاق على تزكية عفاف الزعيم وكيلة للائحة النسائية الجهوية عن إقليم الرشيدية. وفي المقابل، فإن التظلم المنسوب إلى فاطمة عدنان يقدم توصيفًا مختلفًا للواقعة، ويتحدث عن نزع اسمها من مهمة وكيلة اللائحة، مطالبًا بتوضيح أسباب القرار والجهة التي اتخذته والأساس التنظيمي الذي استند إليه.
وهنا تحديدًا تبدأ مسؤولية الصحافة، لا مسؤولية الاصطفاف.
فليس من المهنية أن تتحول عبارات مثل «الحكرة» أو «الإقصاء» أو «الضغط» التي وردت في بعض التفاعلات إلى حقائق صحفية مثبتة، كما أنه ليس من المهنية أيضًا اعتبار البلاغ الحزبي وحده نهاية للنقاش. فالرواية الرسمية تظل رواية الجهة التي أصدرت البلاغ، بينما التظلم يعبر عن موقف صاحبته، وبين الروايتين توجد وقائع ومساطر وتفاصيل لا يمكن حسمها إلا بتوضيح مباشر وكامل.
لكن، بعيدًا عن الجانب الشخصي في القضية، هناك سؤال سياسي أكثر أهمية: ما الذي دفع الحزب إلى إعادة ترتيب اللائحة؟
فالبلاغ نفسه يضع القرار داخل سياق أوسع، حين يتحدث عن تعزيز العمل التنسيقي بين مختلف أقاليم الجهة، ورفع التنافسية الانتخابية للحزب، وتقوية حضوره السياسي والميداني، بهدف حصد أكبر عدد ممكن من المقاعد البرلمانية على مستوى جهة درعة تافيلالت. وهذا يعني أن المسألة، على الأرجح، لا ينبغي أن تقرأ فقط من زاوية الأسماء، وإنما من زاوية الاستراتيجية الانتخابية التي يحاول الحزب بناءها.
وهنا قد يكون من الخطأ التعامل مع الانتخابات بمنطق «من هو ابن المنطقة؟» فقط.
فالانتخابات ليست مسابقة في الانتماء الجغرافي، كما أنها ليست عملية لتوزيع مكافآت على المناضلين. إنها، في النهاية، معركة انتخابية تحتاج إلى مرشحين يمتلكون المصداقية والقدرة على التواصل والامتداد الاجتماعي، وقبل ذلك القدرة على تحويل حضورهم إلى أصوات.
ومن هذه الزاوية، فإن اختيار عفاف الزعيم لقيادة اللائحة النسائية الجهوية عن إقليم الرشيدية يمكن قراءته، من الناحية السياسية، باعتباره جزءًا من محاولة توسيع الحضور الانتخابي للحزب داخل الجهة، خصوصًا إذا كان الهدف هو تجاوز منطق التركيز على منطقة واحدة نحو بناء شبكة انتخابية أكثر انتشارًا.
لكن هذا الخيار، في الوقت نفسه، يطرح سؤالًا لا يقل أهمية: ماذا عن المسار التنظيمي للمناضلات اللواتي راكمن سنوات من العمل داخل الحزب؟ وهل يمكن أن يشعر المناضل بأن رصيده التنظيمي لا قيمة له عندما تحضر الحسابات الانتخابية؟ أم أن السياسة تقتضي أحيانًا تقديم اعتبارات انتخابية على أخرى تنظيمية؟
هنا لا توجد إجابة بسيطة.
فالحزب الذي يتجاهل كفاءاته وقواعده المحلية قد يخسر جزءًا من ثقة مناضليه، والحزب الذي يرفض تغيير اختياراته بسبب حسابات تنظيمية داخلية قد يخسر، في المقابل، جزءًا من المعركة الانتخابية. وبين الأمرين توجد مسؤولية القيادة السياسية في إيجاد التوازن.
ولعل هذا هو الاختبار الحقيقي الذي تفرضه قضية فاطمة عدنان، وليس اختبار شخص واحد.
فالمرحلة المقبلة تحتاج أحزابًا تستطيع أن تميز بين المناضل الذي يستحق التقدير داخل التنظيم، والمرشح الذي يمتلك القدرة على خوض معركة انتخابية ناجحة؛ لأن الأمرين قد يجتمعان في شخص واحد، وقد لا يجتمعان دائمًا.
كما أن زمن «التركة السياسية» و«الإرث الحزبي» و«باك صاحبي» و«الإنزال بالمظلة» السياسية ينبغي أن يصبح جزءًا من الماضي إذا كانت الأحزاب جادة في الحديث عن تجديد النخب وتكافؤ الفرص. فلا ينبغي أن تنتقل التزكية من الأب إلى الابن، ولا من الدائرة الضيقة إلى المقربين، ولا أن يُستقدم مرشح من خارج المجال المحلي فقط لأنه يمتلك علاقة أقوى داخل دوائر القرار.
لكن، في الاتجاه الآخر، لا ينبغي أن تتحول مقاومة هذه الممارسات إلى نوع آخر من الانغلاق، تصبح معه عبارة «هذا ابن المنطقة» أو «هذه ابنة المنطقة» جواز مرور سياسيًا كافيًا.
المعيار الحقيقي يجب أن يكون أكثر صعوبة: ماذا يستطيع هذا المرشح أن يضيف؟
كم يستطيع أن يجمع من الأصوات؟ ما مدى امتداده؟ ما رصيده النضالي؟ ما قدرته على الإقناع؟ وما الذي يمكن أن يقدمه للجهة بعيدًا عن الشعارات الانتخابية الموسمية؟
ومن هنا، فإن النقاش حول فاطمة عدنان قد يكون فرصة لحزب الكتاب كي يراجع، ليس فقط طريقة تدبير هذه الحالة، وإنما فلسفة اختيار مرشحيه عمومًا.
فالجهة ليست مدينة واحدة، ولا إقليمًا واحدًا، ولا قبيلة واحدة، ولا شبكة علاقات انتخابية محدودة. إنها مجال جغرافي وسياسي واسع، وأي حزب يريد المنافسة داخله يحتاج إلى استراتيجية تتعامل مع كل إقليم باعتباره جزءًا من معادلة واحدة.
والأحزاب المنافسة، بدورها، لن تنتظر كثيرًا. فإذا نجحت في توزيع أوراقها الانتخابية على مناطق مختلفة، واستقطاب شخصيات قادرة على تعبئة قواعد متعددة، فقد تجد نفسها أمام فرصة أكبر لجمع أصوات متفرقة بدل الدخول في منافسة محلية محدودة.
وهنا تكمن قيمة الذكاء السياسي: ليس في المناورة من أجل المناورة، ولا في تغيير الأسماء لمجرد تغييرها، وإنما في معرفة أين توجد الأصوات، ومن يستطيع الوصول إليها، وكيف يمكن تحويل الامتداد الجغرافي إلى قوة انتخابية.
لذلك، فإن من يقرأ قرار إعادة ترتيب اللائحة النسائية فقط باعتباره انتصارًا لطرف وهزيمة لطرف آخر قد يفوّت جوهر المسألة.
قد يكون الحزب بصدد تصحيح حساباته الانتخابية.
وقد يكون بصدد إعادة ترتيب أوراقه.
وقد يكون القرار مجرد نتيجة لتوافق داخلي كما يقول البلاغ.
وقد تكون هناك، في المقابل، تفاصيل أخرى لا تزال غير معلنة.
وفي جميع الحالات، يبقى المطلوب هو الوضوح.
فإذا كانت فاطمة عدنان قد اختارت فعلًا التنازل، فمن حقها ومن حق قواعد الحزب أن تعرف كيف تم هذا التشاور، وما هي حيثياته. وإذا كان الأمر يتعلق بقرار حزبي أعاد النظر في التزكية السابقة، فمن الطبيعي أيضًا أن يعرف المناضلون لماذا تغير القرار وما هي المبررات التنظيمية والانتخابية التي استند إليها.
ذلك أن التوافق لا يعني غياب الشفافية، ووحدة الصف لا تعني إلغاء الأسئلة.
أما الحديث عن «الحكرة»، فإنه يظل، في هذه المرحلة، توصيفًا صادرًا عن بعض المتضامنين والمتفاعلين مع القضية، وليس حقيقة صحفية حُسمت عناصرها. والاحتكام إلى المؤسسات والمساطر يبقى أكثر قوة من تحويل الخلاف السياسي إلى معركة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي المقابل، فإن الذين يرفعون شعار «لمّ الشمل» داخل الحزب عليهم أن يدركوا أن لمّ الشمل لا يتحقق بالصمت عن الأسئلة، كما أن الذين يتحدثون باسم «الديمقراطية الداخلية» مطالبون بأن يجعلوا هذه الديمقراطية ممارسة فعلية، لا مجرد شعار يُستدعى عندما يخدم موقعًا معينًا.
وفي نهاية المطاف، قد لا تكون فاطمة عدنان هي القضية الأساسية.
القضية هي: كيف يصنع حزب التقدم والاشتراكية قراره الانتخابي بجهة درعة تافيلالت؟
هل يصنعه بمنطق الولاء التنظيمي فقط؟ أم بمنطق الحساب الانتخابي فقط؟ أم يستطيع الجمع بين الاثنين؟
وهل تستطيع القيادة أن تمنح المناضلين شعورًا بأن سنوات العمل داخل الحزب لها قيمة، وفي الوقت نفسه تختار الأشخاص القادرين فعلًا على توسيع الوعاء الانتخابي؟
ذلك هو السؤال الذي سيجيب عنه صندوق الاقتراع، وليس بيانات التضامن ولا منشورات الغضب ولا التزكيات وحدها.
ففي السياسة، يمكن تغيير اللائحة، ويمكن تغيير الوكيل أو الوكيلة، ويمكن حتى إعادة ترتيب التحالفات والحسابات. لكن ما يصعب تغييره هو صورة الحزب لدى قواعده وناخبيه عندما يشعر هؤلاء أن القرارات تُتخذ بعيدًا عنهم أو دون تفسير كافٍ.
ومن هذه الزاوية، فإن قضية فاطمة عدنان تستحق أن تُقرأ بهدوء أكبر: لا باعتبارها معركة بين امرأة وحزب، ولا باعتبارها صراعًا بين أسماء، وإنما باعتبارها مرآة صغيرة لطريقة أكبر في صناعة القرار السياسي داخل الأحزاب المغربية.
والدرس الذي قد يكون على حزب الكتاب أن يستخلصه قبل الدخول إلى الاستحقاق الانتخابي بسيط، لكنه قاسٍ: الانتخابات لا تكافئ بالضرورة من يملك أفضل الأسماء، وإنما من يعرف كيف يقرأ الخريطة، وكيف يوزع أوراقه، وكيف يقنع قواعده قبل أن يطلب أصوات الناخبين.
أما فاطمة عدنان، فستبقى جزءًا من هذه المعادلة، سواء انتهت قضيتها بتكريس رواية «التنازل» التي يقدمها البلاغ، أو ظهرت لاحقًا معطيات أخرى تعيد فتح النقاش.
وفي الحالتين، يبقى السؤال مفتوحًا أمام حزب التقدم والاشتراكية بجهة درعة تافيلالت:
هل كانت إعادة ترتيب اللائحة قرارًا لتدبير الخلاف، أم خطوة لإعادة بناء الخريطة الانتخابية؟
الجواب، هذه المرة، لن تصنعه البيانات.
سيصنعه صندوق الاقتراع.إعداد.. محمد النوري.