“أزمة الصحة أم أزمة النخبة؟ حين تغادر الكفاءات وتبقى الجهة وحدها”
درا-تافيلالت.. أولى نيوز.
متابعة.. محمد النوري.
سيدي الفاضل، ربما نكون أمام سؤال أعمق من سؤال الخصاص في الأطباء والأسرة والتجهيزات. فغياب عدد من المؤسسات والخدمات الأساسية في درعة تافيلالت لا يمكن تفسيره دائماً بنقص الموارد وحده؛ هناك أيضاً سؤال النخبة، وسؤال علاقتها بالمجال الذي أنجبها وعلّمها ومنحها أول فرصة للصعود.
لدينا أساتذة ومهندسون وأطباء وأساتذة جامعيون ودكاترة في القانون والأدب والفلسفة، ولدينا كفاءات خرجت من مدارس وثانويات الجهة، ومن بينها ثانوية بومالن دادس التي مر من أقسامها عدد كبير من أبناء المنطقة ممن أصبحوا اليوم في مواقع علمية ومهنية مختلفة. لكن المفارقة المؤلمة أن جزءاً من هذه الكفاءات اختار الاستقرار بعيداً عن الجهة، في المدن الكبرى، فيما بقيت مناطقهم الأصلية تكافح من أجل أبسط المؤسسات والخدمات.
لا يتعلق الأمر بمطالبة الطبيب بأن يترك عيادته، أو المهندس بأن يتخلى عن حياته، أو الأستاذ الجامعي بأن يعود بالضرورة إلى مسقط رأسه. ذلك سيكون ظلماً. لكن السؤال المشروع هو: ماذا قدمت هذه الكفاءات، مجتمعَةً، للمنطقة التي صنعت جزءاً من مسارها؟
فالنجاح الفردي حق، والهجرة نحو المدن بحثاً عن فرص أفضل أمر طبيعي، لكن النجاح حين يتحول إلى قطيعة كاملة مع الجذور يصبح سؤالاً مجتمعياً وأخلاقياً يستحق النقاش.
هل يعقل أن تتوفر الجهة على كل هذه الكفاءات، ثم تظل عاجزة عن تشكيل قوة اقتراح حقيقية من أبنائها للدفاع عن جامعة، أو مستشفى، أو مركز بحث، أو مؤسسة ثقافية، أو مشروع اقتصادي كبير؟
المشكلة إذن ليست أن أبناء درعة تافيلالت غادروا. المشكلة حين يغادرون ولا يعودون حتى بفكرة، ولا بمبادرة، ولا بترافع، ولا بمشروع، ولا حتى بصوت مسموع من أجل المكان الذي خرجوا منه.
وهنا تصبح أزمة الصحة جزءاً من أزمة أكبر: أزمة علاقة النخبة بمجتمعها.
قد يكون التعبير عن هذا الغضب قاسياً، وقد تدفعنا المرارة أحياناً إلى استعمال أوصاف جارحة، لكن المطلوب ليس محاكمة الأفراد ولا توزيع تهم «نكران الجميل» بالجملة. المطلوب هو طرح السؤال بصراحة: أين هي المسؤولية المجتمعية للكفاءات المحلية؟ وأين هو المشروع الذي يجمعها حول قضايا الجهة؟
فالجهة لا تحتاج فقط إلى أن تخرّج طبيباً ومهندساً وأستاذاً جامعياً؛ تحتاج أيضاً إلى أن يتحول هؤلاء، كل من موقعه، إلى جزء من رأس مالها التنموي.
أما أن ننتظر من المركز أن يبني كل شيء، وأن نلوم المنتخبين والإدارة والحكومة على كل نقص، بينما تظل الكفاءات المحلية بعيدة عن الفعل الجماعي، فسنكون أمام نصف الحقيقة فقط.
ودرعة تافيلالت لا تحتاج إلى أبنائها كي يعودوا جميعاً للسكن فيها، بقدر ما تحتاج إلى أن يظلوا مرتبطين بها.
فالطبيب الذي يعمل في الرباط يستطيع أن يدافع عن مستشفى في بومالن دادس، والمهندس المقيم في الدار البيضاء يستطيع أن يساهم في مشروع هندسي يخدم وادي دادس، والأستاذ الجامعي يستطيع أن يجعل من جامعته منصة للدفاع عن البحث العلمي في الواحات، والمحامي يستطيع أن يترافع من أجل قضايا التنمية والعدالة المجالية.
المسألة في النهاية ليست أين يسكن ابن الجهة، وإنما هل بقيت الجهة تسكن شيئاً منه؟
وهنا، تحديداً، يبدأ النقاش الحقيقي حول أزمة النخبة.