“صفٌّ نتمنى أن نراه في مدن درعة تافيلالت.. حين تتحول محطة سيارات الأجرة إلى درس في النظام”
مكناس-أولى نيوز.
متابعة.. محمد النوري.
في مدينة مكناس، لا يحتاج تنظيم الحياة اليومية دائماً إلى إجراءات معقدة أو تعليمات صارمة؛ أحياناً يكفي أن يقتنع المواطن بأن احترام الدور هو جزء من احترام الآخرين. الصورة أمامنا تختصر مشهداً مجتمعياً بسيطاً، لكنه يحمل دلالة كبيرة: مواطنون ومواطنات يقفون في صف منتظم، كل واحد ينتظر دوره في هدوء، دون تدافع أو مزاحمة أو محاولة للمرور قبل الآخرين، في انتظار سيارات الأجرة.
قد يبدو المشهد عادياً جداً بالنسبة إلى مدن اعتادت على مثل هذا التنظيم، لكنه بالنسبة إلى عدد من مدن جهة درعة تافيلالت قد يتحول إلى صورة نتمنى أن تصبح مألوفة في شوارعنا ومحطاتنا ومواقف سيارات الأجرة.
المسألة هنا ليست مقارنة بين المواطن المكناسي والمواطن في درعة تافيلالت، فكل المغاربة يشتركون في الثقافة والقيم نفسها، وإنما هي مقارنة بين سلوك اجتماعي تنظمه العادة والوعي الجماعي، وسلوك آخر ما زال في بعض الأماكن أسيراً للفوضى والتدافع ومنطق “من سبق إلى السيارة فقد سبق إلى حقه”.
في بعض محطات سيارات الأجرة بمدن الجهة، قد يتحول انتظار سيارة أجرة إلى مشهد مفتوح على كل الاحتمالات؛ أكثر من شخص يلوح للسائق، وآخر يحاول الوصول إلى السيارة قبل غيره، وثالث يسأل عن الوجهة، بينما يبقى مفهوم الصف المنظم غائباً أو هشاً. والنتيجة أن لحظة بسيطة من الانتظار تتحول أحياناً إلى مصدر للتوتر والنقاش والاحتكاك.
أما الصورة القادمة من مكناس، فتقول شيئاً آخر: يمكن للمدينة أن تنظم نفسها حين يصبح احترام الدور ثقافة يومية لا مجرد تعليمات مكتوبة.
والأجمل في هذا المشهد أن الصف لا يبدو مفروضاً بالقوة؛ لا نرى شرطياً يقف أمام المواطنين، ولا حاجزاً حديدياً يجبر الناس على الانتظار، بل نرى اتفاقاً اجتماعياً غير مكتوب: أنت تنتظر دورك، وأنا أنتظر دوري، والسيارة التي ستأتي لن تكون ملكاً لمن يصرخ أكثر أو يلوّح بيده أسرع، وإنما لمن جاء دوره.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للصورة.
فالتنظيم الحضري لا يبدأ دائماً من الأرصفة والطرقات والإنارة والمرافق، بل يبدأ أيضاً من سلوك الإنسان في الفضاء العام. فالمدينة المنظمة ليست فقط مدينة نظيفة ومعبدة ومجهزة، وإنما مدينة يعرف سكانها أن الشارع ملك للجميع، وأن الطابور ليس إذلالاً للمواطن، وأن الانتظار ليس ضياعاً للكرامة، وأن احترام الدور هو في النهاية احترام للذات قبل أن يكون احتراماً للآخر.
مدن درعة تافيلالت، بما لها من تاريخ عريق ومجتمع متماسك وروابط اجتماعية قوية، تستحق هي الأخرى أن تصبح فيها مثل هذه المشاهد جزءاً من الحياة اليومية. من تنغير إلى قلعة مكونة، ومن بومالن دادس إلى ورزازات والرشيدية وميدلت وغيرها، نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة جداً: النظام يبدأ من المواطن، لكنه يحتاج أيضاً إلى فضاء عمومي يساعده على أن يكون منظماً.
فحين لا توجد محطات واضحة، ولا مسارات محددة للانتظار، ولا علامات تنظيمية، ولا مراقبة مستمرة، يصبح المواطن نفسه جزءاً من الفوضى، حتى وإن كان مستعداً في الأصل لاحترام النظام.
لذلك، فإن الصورة ليست مجرد صف أمام سيارة أجرة.
إنها صورة لثقافة اجتماعية نتمنى أن نراها في مدن جهة درعة تافيلالت؛ ثقافة تجعل الانتظار أمراً عادياً، والدور حقاً محترماً، والفضاء العام مجالاً للتعايش لا للتدافع.
وربما أجمل ما يمكن أن تقوله هذه الصورة هو: لسنا بحاجة دائماً إلى أشياء كبيرة حتى نشعر بأن مدينتنا تتغير؛ أحياناً يكفي أن نقف في الصف… ونترك الآخر يأخذ دوره.