“هشام موجود ..في حوار مع «أولى نيوز»: العدالة المجالية وتحرير رخص البناء وتعزيز التنمية المستدامة رهانات أساسية بإقليم تنغير والجنوب الشرقي”

0 18

الرباط – الجمعة 9 أكتوبر 2026
حاوره.. محمد النوري.

بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، التي احتضنها مقر البرلمان بالعاصمة الرباط مساء اليوم الجمعة، بحضور صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي ألقى خطاباً سامياً أمام أعضاء مجلسي البرلمان، أجرت جريدة «أولى نيوز» حواراً مع النائب البرلماني عن إقليم تنغير، هشام موجود، حول دلالات هذه المحطة الدستورية، والرهانات المطروحة أمام المؤسسة التشريعية خلال المرحلة المقبلة، فضلاً عن انتظارات ساكنة إقليم تنغير وجهة درعة تافيلالت عموماً، في ظل الحاجة إلى تعزيز العدالة المجالية، وتسريع وتيرة التنمية، وتحسين جودة الخدمات الأساسية، ومعالجة الإشكالات المرتبطة بالتعمير ورخص البناء.

سؤال: كيف تقرؤون افتتاح السنة التشريعية الجديدة في ضوء الخطاب الملكي السامي؟

هشام موجود: يشكل افتتاح السنة التشريعية محطة دستورية مهمة لاستحضار حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات المنتخبة، واستشراف الأولويات الوطنية التي ينبغي أن تؤطر العمل التشريعي والرقابي خلال المرحلة المقبلة. فالخطاب الملكي السامي يمثل مناسبة لتجديد التعبئة حول الأوراش الاستراتيجية للمملكة، واستحضار ضرورة جعل المواطن في صلب السياسات العمومية، من خلال تحقيق التوازن بين الدينامية الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي والمجالي.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وضع البرامج والتصورات، بل في القدرة على تحويلها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو التعليم أو الصحة أو البنيات التحتية أو تحسين ظروف العيش. ومن هنا تأتي أهمية العمل المؤسساتي الجاد، القائم على التنسيق والنجاعة وتحمل المسؤولية، بما يضمن استمرارية الإصلاحات ويعزز الثقة بين المواطن ومختلف المؤسسات.

سؤال: ما موقع إقليم تنغير والجنوب الشرقي ضمن رهانات التنمية الوطنية؟

هشام موجود: يحتل إقليم تنغير موقعاً مهماً ضمن الخريطة التنموية للمملكة، بالنظر إلى ما يزخر به من مؤهلات طبيعية واقتصادية وثقافية، وما يمثله من رصيد حضاري وإنساني أصيل. غير أن تثمين هذه المؤهلات يقتضي توفير الشروط الضرورية للانتقال من الإمكانات المتاحة إلى تنمية مستدامة قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل وتحسين مستوى عيش الساكنة.

فالجنوب الشرقي، بما يتسم به من خصوصيات جغرافية ومناخية، يحتاج إلى مقاربة تنموية تراعي تحديات المجال الجبلي والواحي، وتستحضر الإكراهات المرتبطة بالماء والمسافات والولوج إلى الخدمات الأساسية. كما أن الإنصاف المجالي يقتضي ألا تتحول هذه الخصوصيات إلى عوامل تحد من فرص المواطنين في الاستفادة من التنمية، بل ينبغي أن تكون منطلقاً لتصميم برامج أكثر ملاءمة لاحتياجات المنطقة، بما يضمن توزيعاً منصفاً للاستثمارات العمومية ويعزز قدرة المجالات القروية والجبلية على المساهمة في الاقتصاد الوطني.

سؤال: ما أبرز الملفات التي ينبغي أن تحظى بالأولوية بإقليم تنغير خلال المرحلة المقبلة؟

هشام موجود: أعتقد أن الأولويات ينبغي أن تنطلق من الحاجيات اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها تحسين العرض الصحي، والارتقاء بجودة التعليم، وتطوير الطرق والمسالك القروية، وفك العزلة عن المناطق الجبلية، فضلاً عن تعزيز الأمن المائي ودعم الأنشطة الاقتصادية المحلية.

كما أن الفلاحة الواحية وتربية الماشية والسياحة الجبلية والمنتجات المجالية تمثل مجالات واعدة تستحق مزيداً من الاهتمام، من خلال توفير آليات الدعم والمواكبة والتسويق، وتشجيع الاستثمار المنتج والمبادرات المقاولاتية، ولا سيما لفائدة الشباب والنساء في العالم القروي.

والأهم هو أن تتم معالجة هذه الملفات ضمن رؤية متكاملة، تضمن التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات، وتحدد المسؤوليات والآجال ومؤشرات الإنجاز، حتى لا تظل الحاجيات المتكررة موضوع تشخيص مستمر دون انتقال كافٍ إلى التنفيذ. كما ينبغي أن تخضع المشاريع العمومية للتتبع والتقييم، بما يسمح بقياس أثرها الحقيقي على حياة المواطنين وترتيب الأولويات وفقاً للحاجيات الأكثر إلحاحاً.

سؤال: كيف يمكن تحويل مبدأ العدالة المجالية إلى واقع ملموس في المناطق الجبلية والواحية؟

هشام موجود: العدالة المجالية ليست مجرد مفهوم نظري، وإنما هي مبدأ ينبغي أن ينعكس في توزيع الاستثمارات العمومية، وفي جودة الخدمات، وفي فرص الولوج إلى البنيات الأساسية والموارد الاقتصادية. والمواطن في تنغير له الحق نفسه في العلاج والتعليم والتنقل والعيش الكريم، بصرف النظر عن موقعه الجغرافي أو طبيعة المجال الذي ينتمي إليه.

ويتطلب تحقيق هذا الهدف اعتماد معايير واضحة لتوجيه الاستثمار العمومي نحو المجالات التي تواجه خصاصاً أكبر، مع مراعاة الكلفة الإضافية التي تفرضها التضاريس والمسافات والظروف المناخية. كما يستدعي تعزيز التنسيق بين الدولة والجهة والإقليم والجماعات الترابية، وتطوير آليات التتبع والتقييم لضمان نجاعة المشاريع واستدامة أثرها.

إن الإنصاف الحقيقي يتحقق عندما تصبح الخدمات الأساسية أكثر قرباً من المواطن، وعندما يشعر سكان المناطق القروية والجبلية بأن حاجياتهم تحظى بالمكانة التي تستحقها ضمن الأولويات التنموية الوطنية. فالعدالة المجالية ليست امتيازاً تمنحه جهة لأخرى، بل هي ضرورة لتحقيق التوازن بين مختلف مكونات التراب الوطني وضمان تكافؤ الفرص بين المواطنين.

سؤال: يثير ملف التعمير ورخص البناء انشغالات عدد من المواطنين بإقليم تنغير وجهة درعة تافيلالت عموماً، خصوصاً في ظل القيود التي تواجه طلبات الترخيص ببعض المناطق. كيف تنظرون إلى هذا الموضوع، وما المطلوب لمعالجته؟

هشام موجود: يشكل الحق في السكن اللائق والاستقرار داخل المجال الترابي الذي ينتمي إليه المواطن أحد المرتكزات الأساسية للتنمية الاجتماعية، ولذلك فإن معالجة الإشكالات المرتبطة بالتعمير ورخص البناء تستدعي مقاربة متوازنة تجمع بين احترام القوانين والضوابط المعمول بها، وضمان حق المواطنين في الولوج إلى المساطر الإدارية الواضحة والمنصفة.

إن الصعوبات التي يواجهها بعض المواطنين في الحصول على رخص البناء، وما يرتبط بها من قيود أو تعقيدات إدارية، تفرض فتح نقاش مؤسساتي مسؤول حول سبل تبسيط المساطر، وتوضيح شروط الترخيص، وتسريع دراسة الملفات، مع إيلاء اهتمام خاص لخصوصيات المناطق القروية والجبلية والواحية بإقليم تنغير وباقي أقاليم جهة درعة تافيلالت.

ولا يمكن أن تتحقق التنمية المجالية المنشودة إذا ظل المواطن عاجزاً عن تسوية وضعيته العمرانية أو إنجاز مسكنه داخل إطار قانوني واضح، خصوصاً في المجالات التي ترتبط فيها أنماط الاستقرار البشري بخصوصيات تاريخية واجتماعية ومجالية تستوجب المعالجة الملائمة. فالسكن ليس مجرد بناية، بل هو أساس للاستقرار الأسري والاجتماعي، وشرط من شروط تمسك السكان بمجالاتهم الأصلية ومساهمتهم في تنميتها.

ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب هو تعزيز التنسيق بين المصالح المختصة والسلطات المحلية والجماعات الترابية والوكالات الحضرية، والعمل على تشخيص أسباب التعثر التي تواجه طلبات الترخيص، والتمييز بين القيود التي تفرضها مقتضيات قانونية أو تقنية فعلية، والصعوبات التي يمكن تجاوزها من خلال تحسين التنسيق الإداري وتبسيط المساطر، مع احترام القوانين الجاري بها العمل.

كما ينبغي العمل على توضيح ضوابط البناء والتعمير للمواطنين، وتعليل القرارات الإدارية المتعلقة بطلبات الترخيص، وضمان سبل التظلم والطعن عند الاقتضاء، حتى لا يبقى المواطن أمام مساطر غير واضحة أو قرارات يصعب عليه فهم أسبابها. وأرى أن هذا الملف يستحق عناية مؤسساتية جادة، من خلال دراسة الحلول القانونية والتخطيطية الممكنة التي تراعي خصوصيات المجال الجبلي والواحي، وتوازن بين متطلبات التعمير المنظم وحقوق الساكنة وانتظاراتها المشروعة.

إن الغاية ليست تجاوز القانون أو إضعاف ضوابط التعمير، بل جعلها أكثر وضوحاً وملاءمة للواقع المحلي، بما يضمن حماية المجال والبيئة، وفي الوقت نفسه يتيح للمواطنين إمكانية البناء في إطار قانوني واضح، ويعزز الثقة في الإدارة ويحد من التعقيدات التي قد تعرقل الاستقرار السكني والتنمية المحلية.

سؤال: ما الدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسة التشريعية في مواكبة هذه الانتظارات، بما فيها إشكالية رخص البناء؟

هشام موجود: تضطلع المؤسسة التشريعية بأدوار أساسية في إعداد القوانين ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، وهي أدوار تمنح البرلماني مسؤولية نقل انشغالات المواطنين إلى فضاء النقاش المؤسساتي، والعمل على إيجاد الحلول الممكنة ضمن الاختصاصات الدستورية والقانونية.

وبالنسبة إلينا، فإن تمثيل إقليم تنغير يقتضي مواصلة الترافع عن الملفات ذات الأولوية، ومتابعة البرامج والمشاريع التي تهم الساكنة، والتفاعل مع مختلف المبادرات الرامية إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالإقليم. كما أن التواصل المستمر مع المواطنين والفاعلين المحليين يشكل عنصراً أساسياً لفهم الحاجيات الحقيقية وترتيبها وفق درجة الاستعجال والأثر المنتظر.

ويشمل هذا الدور أيضاً مواكبة الإشكالات المرتبطة بالتعمير ورخص البناء، من خلال إثارة الأسئلة المؤسساتية اللازمة، وطلب توضيحات بشأن الإطار التنظيمي المطبق، والبحث عن السبل التي تسمح بمعالجة الصعوبات القائمة دون المساس بالقانون أو بالمصلحة العامة. فالمطلوب هو الوصول إلى حلول عملية تحقق التوازن بين التخطيط العمراني واحترام الضوابط القانونية من جهة، وضمان شروط الاستقرار السكني والتنمية القروية من جهة أخرى.

فالعمل البرلماني لا ينبغي أن ينفصل عن الواقع اليومي للمواطن، بل يجب أن يكون جسراً بين انتظاراته ومراكز القرار، في إطار من المسؤولية والوضوح واحترام الاختصاصات المؤسساتية.

سؤال: يطرح ملف الماء تحديات متزايدة في مناطق الجنوب الشرقي. ما المقاربة التي ترونها مناسبة لمعالجته؟

هشام موجود: يشكل الماء أحد المحددات الأساسية لمستقبل التنمية بإقليم تنغير، سواء تعلق الأمر باستقرار الواحات أو استمرارية الأنشطة الفلاحية أو توفير الماء الصالح للشرب أو الحفاظ على التوازن البيئي. ولذلك، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب الانتقال إلى تدبير استباقي ومتكامل للموارد المائية، يأخذ بعين الاعتبار آثار التغيرات المناخية وتراجع التساقطات وتزايد الضغط على الفرشات المائية.

ومن الضروري تعزيز منشآت تخزين المياه وتجميع مياه الأمطار، ودراسة إمكانات إنجاز السدود الصغرى والحواجز التلية وأحواض التجميع حيثما تسمح الدراسات التقنية والبيئية بذلك، إلى جانب تحديث أساليب الري، وصيانة المنشآت القائمة، وحماية الواحات باعتبارها منظومات اقتصادية وبيئية واجتماعية متكاملة.

كما ينبغي أن تحظى المناطق القروية باهتمام خاص في البرامج المائية، لأن حماية الموارد الطبيعية ليست فقط مسألة بيئية، بل هي أيضاً شرط لاستقرار السكان واستمرار الأنشطة الاقتصادية وضمان حقوق الأجيال المقبلة. ويظل التنسيق بين القطاعات المعنية والفاعلين المحليين ضرورياً لتوجيه الاستثمارات نحو المشاريع الأكثر نجاعة واستدامة.

سؤال: كيف يمكن تثمين المؤهلات السياحية والفلاحية والثقافية التي يزخر بها الإقليم؟

هشام موجود: يتوفر إقليم تنغير على مقومات متنوعة، من بينها السياحة الجبلية والواحية، والمناظر الطبيعية، والموروث الثقافي الأمازيغي، والمنتجات المجالية المرتبطة بالواحات والأنشطة الفلاحية التقليدية. غير أن الانتقال بهذه المؤهلات إلى مستوى اقتصادي أكثر مردودية يستدعي ربطها بسلاسل إنتاج وتسويق متكاملة، وتحسين البنيات والخدمات، وتشجيع المبادرات التي تخلق قيمة مضافة محلية.

وفي المجال السياحي، ينبغي تعزيز السياحة المستدامة التي تحترم البيئة والخصوصية الثقافية وتضمن استفادة المجتمعات المحلية من عائداتها. أما في القطاع الفلاحي، فمن المهم دعم التعاونيات والمنتجين، وتطوير قدرات التثمين والتخزين والتسويق، وتحسين الولوج إلى التمويل والمواكبة التقنية.

كما أن تشجيع الاستثمار المحلي يرتبط بتوفير بيئة إدارية واضحة ومستقرة، وتسهيل المساطر القانونية، ومعالجة الإكراهات التي تعترض إنجاز المشاريع، بما فيها الملفات المرتبطة بالعقار والتعمير متى ثبت تأثيرها على المبادرات التنموية. فالمطلوب هو بناء اقتصاد محلي متنوع لا يكتفي باستغلال المؤهلات الطبيعية، بل يحولها إلى فرص فعلية للشغل والاستثمار، ويسهم في الحد من الهجرة الاقتصادية، خصوصاً في صفوف الشباب.

سؤال: ما رسالتكم إلى ساكنة إقليم تنغير مع انطلاق هذه السنة التشريعية؟

هشام موجود: رسالتي إلى ساكنة إقليم تنغير هي أن انشغالاتها وانتظاراتها تظل جزءاً من مسؤوليتنا التمثيلية، وأن المرحلة المقبلة تستدعي مضاعفة الجهود من أجل إيصال القضايا المحلية إلى المؤسسات المعنية، ومواكبة الحلول الممكنة في إطار من الجدية والتعاون والمسؤولية.

إن التنمية لا تتحقق بجهة واحدة أو مؤسسة منفردة، وإنما تحتاج إلى تضافر جهود مختلف المتدخلين، من سلطات عمومية ومؤسسات منتخبة وفعاليات اقتصادية ومدنية، مع جعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

ونحن مطالبون اليوم بالعمل على أن تتحول التوجيهات الاستراتيجية إلى برامج قابلة للتنفيذ، وأن تقترن الالتزامات بآليات واضحة للتتبع والمساءلة، وأن تكون حصيلة السياسات العمومية قابلة للقياس من خلال أثرها المباشر على حياة المواطنين، سواء في تحسين الخدمات الأساسية أو توفير فرص الشغل أو تسهيل الاستقرار السكني أو تثمين الموارد المحلية.

وأؤكد أن إقليم تنغير، بما يتوفر عليه من طاقات بشرية ومؤهلات طبيعية وثقافية، يستحق أن يكون حاضراً بقوة في مسار التنمية الوطنية، وأن تتاح لساكنته فرص أوسع للاستقرار والإنتاج والمشاركة في بناء المستقبل، في ظل الثوابت الوطنية والمؤسسات الدستورية للمملكة.

إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى بلورة الحلول، ومن تعدد البرامج إلى تكاملها، ومن الالتزامات المعلنة إلى الإنجازات القابلة للتقييم. فالمعيار الأساسي لنجاح السياسات العمومية هو قدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطن، وتعزيز شعوره بالإنصاف والثقة في المؤسسات، وضمان حقه في العيش الكريم داخل مجاله الترابي.

جريدة أولى نيوز – الرباط، الجمعة 9 أكتوبر 2026

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.