“الخنزير البري يقتحم المجال السكني بقلعة مكونة.. فيديو صباح اليوم من حي النهضة يعيد ملف شكايات الفلاحين إلى الواجهة ويطرح أسئلة السلامة العامة”
متابعة.. محمد النوري – أولى نيوز.
لم تعد ظاهرة انتشار الخنزير البري بمحيط مدينة قلعة مكونة شأناً يخص أصحاب الأراضي الفلاحية وحدهم، بعدما انتقلت تداعياتها إلى المجال السكني، حيث وثق شريط فيديو، جرى تصويره صباح اليوم الثلاثاء 3 نونبر 2026، ظهور أحد هذه الحيوانات وسط الساكنة بحي النهضة، في مشهد يعيد إلى الواجهة سلسلة من الشكايات التي سبق أن تقدم بها ملاك ومستغلو الأراضي الفلاحية بسبب الأضرار التي يتسبب فيها هذا الحيوان بممتلكاتهم ومحاصيلهم.
وتكتسب الواقعة أهمية خاصة بالنظر إلى مكان حدوثها، إذ لم يعد الأمر مرتبطاً بمشاهدة الخنزير البري في الحقول أو المناطق الطبيعية المفتوحة، بل أصبح يتعلق بوجوده داخل محيط مأهول بالسكان، وعلى مقربة من مركز مدينة قلعة مكونة. وهو تطور يستدعي الانتباه والتعامل المسؤول، خصوصاً أن اقتراب الحيوانات البرية من التجمعات العمرانية قد يخلق ظروفاً غير متوقعة للاحتكاك المباشر مع المواطنين، بمن فيهم الأطفال والمارة ومستعملو الطرق.
ويعيد هذا المشهد طرح سؤال جوهري حول مآل الشكايات السابقة التي رفعها عدد من الفلاحين، بعدما تحدثوا عن الأضرار التي لحقت بأراضيهم ومزروعاتهم، وعن الصعوبات التي تواجههم في حماية ممتلكاتهم. فهل خضعت تلك التظلمات للمعاينة الميدانية والتقييم من طرف المصالح المعنية؟ وما التدابير التي يمكن اعتمادها للحد من هذه الظاهرة قبل أن تتسع دائرة تأثيرها؟ أسئلة مشروعة تفرضها المستجدات، دون أن تعني توجيه اتهامات مسبقة لأي جهة أو الجزم بوجود تقصير مؤسساتي قبل التحقق من المعطيات.
ومن الضروري، في خضم هذا النقاش، التعامل مع طبيعة الخنزير البري بعيداً عن الأحكام المتسرعة. فهذا الحيوان يتميز بقوة بدنية كبيرة، وقد يشكل خطراً عندما يشعر بالتهديد أو يجد نفسه محاصراً، كما يمكن أن يصبح أكثر اندفاعاً في حالات الإصابة أو عندما تكون صغاره بالقرب منه. لذلك فإن مجرد مشاهدته لا ينبغي أن يدفع المواطنين إلى مطاردته أو استفزازه أو محاولة محاصرته، لأن رد فعله قد يكون سريعاً وغير متوقع.
ومن واقع المعاينة الشخصية في مناطق تعرف وجوداً مكثفاً لهذه الحيوانات، حيث قضيت ليالي عديدة في أماكن تنتشر فيها الخنازير البرية بالعشرات، فإن تجنب استفزازها واحترام المسافة الآمنة يظلان من أهم قواعد السلامة. وقد مرت تلك التجارب دون تسجيل أي اعتداء، لأن التعامل معها لم يكن قائماً على المواجهة أو المطاردة. غير أن ذلك لا يعني اعتبار وجودها آمناً في جميع الظروف، بل يؤكد أن معرفة سلوك الحيوانات البرية والتعامل معها بحذر أمران أساسيان لتجنب المخاطر.
وفي المقابل، فإن اللجوء إلى العنف أو إطلاق النار دون خبرة أو تقدير دقيق للوضع قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فالحيوان المصاب قد يصبح أكثر اضطراباً وخطورة، كما أن استعمال الأسلحة بالقرب من المساكن والطرقات يهدد سلامة أشخاص لا علاقة لهم بالواقعة. ومن ثم، فإن أي تدخل لإبعاد هذه الحيوانات أو التعامل معها ينبغي أن يتم بواسطة مختصين، ووفق القوانين الجاري بها العمل وتدابير السلامة اللازمة، بعيداً عن المبادرات الفردية العشوائية.
إن الإشكال لا يتوقف عند حدود ظهور حيوان بري داخل حي النهضة، بل يمتد إلى مسألة الوعي المجتمعي بكيفية التعامل مع ظاهرة قد تكون جديدة على عدد من سكان المنطقة. فغياب المعرفة بطبيعة هذه الحيوانات قد يدفع البعض إلى اتخاذ قرارات غير محسوبة بدافع الخوف، سواء من خلال مطاردتها أو رشقها بالحجارة أو محاولة الاقتراب منها لتصويرها. وهي تصرفات ينبغي تفاديها، مع ضرورة إبعاد الأطفال عنها وعدم محاولة التدخل الفردي في مسار تحركها.
كما أن ما وقع بقلعة مكونة يفرض توسيع دائرة الانتباه إلى المجال الترابي المجاور، بما في ذلك الخميس دادس وبومالن دادس، دون الجزم بوجود حالات مماثلة هناك ما لم تؤكدها مشاهدات موثقة. فالتقارب المجالي بين هذه المناطق يجعل من المفيد اعتماد آلية للرصد والتبليغ وتبادل المعلومات بين الجهات المعنية، تحسباً لأي تطورات محتملة.
وعلى المستوى المؤسساتي، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك منسق بين السلطات المحلية والمجلس الجماعي والمصالح المختصة بالوكالة الوطنية للمياه والغابات، كل في حدود اختصاصاته القانونية، من أجل إجراء معاينة ميدانية للموقع الذي شهد الواقعة، وتحديد طبيعة تحركات هذه الحيوانات ومناطق وجودها، ودراسة العوامل البيئية التي قد تفسر اقترابها من التجمعات السكنية. كما ينبغي وضع آلية واضحة لتلقي بلاغات المواطنين والتدخل عند الضرورة، مع توفير إرشادات عملية للساكنة حول السلوك الواجب اتباعه عند مصادفة حيوان بري.
ولا تقل حماية النشاط الفلاحي أهمية عن هذه التدابير، إذ يتعين الاستماع إلى المتضررين، والوقوف على طبيعة الأضرار التي يتحدثون عنها، وفحص الشكايات السابقة وتحديد الإجراءات الممكنة لمعالجة الوضع. فالفلاح الذي يستثمر وقته وماله في أرضه من حقه أن يجد مواكبة مؤسساتية تحمي نشاطه، تماماً كما أن المواطن داخل المجال الحضري من حقه أن يعيش في بيئة آمنة.
ومن المهم التأكيد أن حماية الإنسان لا تعني إعلان الحرب على الحياة البرية، كما أن المحافظة على التوازن البيئي لا تعني تجاهل المخاطر التي قد تنشأ عن اقتراب الحيوانات من المناطق المأهولة. المطلوب هو اعتماد مقاربة عقلانية تجمع بين الوقاية والتوعية والتدخل المتخصص، وتضع سلامة المواطنين وحماية الممتلكات في صدارة الأولويات، دون اللجوء إلى القتل العشوائي أو الإضرار بالتوازن الطبيعي.
إن ظهور الخنزير البري بحي النهضة صباح اليوم، كما يوثقه التسجيل المصور، ينبغي أن يشكل مناسبة للانتقال من تدبير الشكايات وردود الفعل إلى المعالجة الاستباقية القائمة على المعاينة والتنسيق وتحمل المسؤولية. فانتظار وقوع حادث حتى تتحرك المؤسسات ليس خياراً سليماً عندما يتعلق الأمر بمخاطر يمكن رصدها والتعامل معها مسبقاً.
اليوم، لم يعد السؤال مجرد وجود الخنزير البري في محيط قلعة مكونة، وإنما أصبح يتعلق بكيفية تدبير حضوره عندما يصل إلى الأحياء السكنية. وبين حماية الإنسان واحترام الحياة البرية، تظل مسؤولية الجهات المختصة هي إيجاد الحل القانوني والعملي الذي يمنع تحول هذه الظاهرة إلى مصدر تهديد لسلامة الساكنة ومصدر قلق دائم للفلاحين.
فهل تكون واقعة حي النهضة مناسبة لتحرك ميداني جاد يعالج الإشكال من جذوره، ويضع حداً لتراكم المخاوف والشكايات، أم سيظل الملف مفتوحاً إلى حين تسجيل حادث قد تكون عواقبه أكثر خطورة؟
محمد النوري – أولى نيوز
#أولى_نيوز #قلعة_مكونة #حي_النهضة #الخنزير_البري #تنغير #درعة_تافيلالت #السلامة_العامة