“التأمين الصحي بالمغرب.. اقتطاعات منتظمة وتعويضات محدودة: من يحمي المريض من فاتورة العلاج؟”
بقلم.. محمد النوري – أولى نيوز.
لم يعد النقاش حول أسعار الاستشارات الطبية في المغرب مجرد خلاف بين المرضى والأطباء، بل تحول إلى سؤال جوهري حول جدوى الحماية الاجتماعية وقدرتها الفعلية على تخفيف كلفة المرض عن المواطنين. فالمواطن الذي يؤدي اقتطاعاته الشهرية بانتظام، ويعول على التأمين الإجباري عن المرض لتأمين الحد الأدنى من الحماية، يجد نفسه أمام مفارقة صادمة بمجرد دخوله عيادة خاصة: يؤدي مئات الدراهم مقابل استشارة طبية، ثم يسترجع جزءاً محدوداً منها، لأن التعويض لا يُحتسب بالضرورة وفق المبلغ الذي دفعه، وإنما بناءً على تعريفة مرجعية معتمدة داخل منظومة التأمين.
ولفهم حجم هذه الفجوة، تكفي العودة إلى مثال بسيط: إذا أدى المؤمن 500 درهم مقابل استشارة لدى طبيب مختص، فإن التعويض، بافتراض اعتماد تعريفة مرجعية قدرها 150 درهماً ونسبة تعويض تبلغ 70 في المائة، لن يتجاوز 105 دراهم، ليتحمل المريض 395 درهماً من جيبه. أي إن التأمين لا يعوضه عن 70 في المائة مما أداه فعلياً، بل عن النسبة المحددة من المبلغ المرجعي المعتمد. وهنا تكمن المفارقة: المواطن مؤمَّن، لكنه يظل مطالباً بتحمل الجزء الأكبر من فاتورة العلاج.
غير أن النقاش يحتاج إلى تمييز أساسي كثيراً ما يتم الخلط بشأنه: التعريفة المرجعية ليست هي التسعيرة الطبية.
فالتعريفة المرجعية هي المبلغ الذي تعتمد عليه منظومة التأمين لحساب التعويضات المستحقة للمؤمن، بينما التسعيرة الطبية هي الأتعاب التي يحددها الطبيب مقابل خدماته المهنية، وفق الإطار القانوني والتنظيمي المنظم للممارسة الطبية. وبالتالي، فإن اعتماد تعريفة مرجعية في حدود 150 درهماً لا يعني بالضرورة أن الطبيب ملزم بتحديد سعر الاستشارة في المبلغ نفسه، كما أن نسبة التعويض لا تعني أن المريض سيسترجع النسبة ذاتها من السعر الذي أداه.
هذا التمييز لا يلغي مشروعية المطالبة بتسقيف الأسعار أو تنظيمها، لكنه يمنع الخلط بين مطلب اجتماعي يتعلق بالقدرة الشرائية، وآلية تقنية تتعلق باحتساب التعويضات. فالمطالبة بسقف محدد للتسعيرة تحتاج إلى نقاش قانوني ومهني واضح، ولا يمكن اختزالها في تغيير التعريفة المرجعية وحدها.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يظل قائماً: كيف يستمر اعتماد تعريفة مرجعية تعود إلى سنة 2006، في وقت تغيرت فيه تكاليف الممارسة الطبية والتجهيزات والخدمات الصحية وأسعار المعيشة بشكل كبير؟ وكيف يمكن توسيع التغطية الصحية وتقديمها باعتبارها ورشاً اجتماعياً استراتيجياً، دون تحيين الأسس المالية التي تحدد مستوى الحماية الفعلية؟
إن اختلال التعريفة المرجعية لا يعفي مناقشة أسعار الاستشارات من المساءلة، كما أن ارتفاع تكاليف العيادات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر مفتوح لكل زيادة. للطبيب حق في مقابل مهني عادل يحترم تكوينه وخبرته ومسؤولياته، وللمريض حق في معرفة الأتعاب مسبقاً، والحصول على خدمة صحية في متناوله، والاستفادة من تأمين يؤدي وظيفة الحماية التي أُحدث من أجلها.
وبين الحقين، تقف مسؤولية الدولة في التنظيم والتحكيم وضمان التوازن.
من هنا، تصبح وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والهيئات المهنية والمؤسسات المعنية بالتأمين الصحي، مطالبة بتقديم أجوبة واضحة: أين وصلت مراجعة التعريفة المرجعية؟ ولماذا تأخر تحيينها؟ وما الإجراءات المتخذة لتقليص الفارق بين المبالغ التي يؤديها المرضى والتعويضات التي يحصلون عليها؟ وهل توجد دراسة حديثة تقيس حجم النفقات الصحية التي يتحملها المؤمنون مباشرة من جيوبهم؟
كما أن الرأي العام من حقه أن يعرف المعايير المعتمدة في تحديد الأتعاب الطبية، والضمانات المتاحة لحماية المرضى من أي ممارسات غير منصفة، والآليات التي تتيح تسوية النزاعات المرتبطة بالفواتير والخدمات الطبية.
فالحماية الاجتماعية لا تُقاس بعدد المنخرطين وحده، ولا بحجم الاقتطاعات الشهرية، ولا بالخطابات التي تحتفي بتوسيع قاعدة المستفيدين. معيارها الحقيقي يظهر لحظة المرض، حين يحتاج المواطن إلى طبيب أو فحص أو تحليل أو دواء، ويكتشف مقدار ما توفره له المنظومة من حماية فعلية.
لسنا أمام معركة بين الطبيب والمريض، بل أمام اختلال في معادلة تحتاج إلى إصلاح. فلا يجوز أن يتحمل الطبيب وحده نتائج تعريفة لم تواكب التحولات الاقتصادية، كما لا يجوز أن يتحول المريض إلى ممول صامت للفجوة بين التسعيرة الطبية والتعويض التأميني.
إن المطلوب ليس الانتقاص من قيمة الطبيب أو فرض معادلات غير واقعية على القطاع الصحي الخاص، وإنما بناء منظومة عادلة تضمن كرامة المهني وتحمي القدرة الشرائية للمواطن، من خلال تحيين التعريفة المرجعية، وتعزيز الشفافية في الأتعاب، وتطوير آليات المراقبة والتعويض.
فالتأمين الصحي ليس مجرد بطاقة انخراط، ولا الحماية الاجتماعية مجرد التزام بالاقتطاع من دخل المواطن. إنها مسؤولية عمومية يفترض أن تظهر قيمتها عندما يصبح الإنسان في أضعف حالاته.
فهل تتحرك الحكومة لإعادة التوازن بين التسعيرة الطبية والتعريفة المرجعية، أم سيظل المواطن يؤدي ثمن المرض مرتين: مرة من صحته، ومرة من جيبه؟
محمد النوري – أولى نيوز
#أولى_نيوز #الحق_في_العلاج #التغطية_الصحية #التأمين_الإجباري_عن_المرض #الصحة_بالمغرب
ملاحظة تحريرية مهمة: أبقيت مثال 150 درهماً ونسبة 70% باعتبارهما فرضية حسابية واردة في النص، وليس باعتبارهما تأكيداً بأنهما القاعدة المعمول بها في جميع حالات الاستشارة الطبية. كما أن الفصل بين التعريفة المرجعية والتسعيرة الطبية أساسي حتى لا يُفهم المقال على نحو قانوني غير دقيق.