حين يصرخ الشارع فالمؤسسات صماء
الساعيد ابدا
ما كان الناس ليغادروا بيوتهم، تاركين أعمالهم وأبناءهم، ليهتفوا في الساحات لولا أن الخلل صار أعمق من أن يُستر. إن خروج المواطنين للاحتجاج ليس ترفا، ولا رغبة في الفوضى، بل هو نتيجة مباشرة لفشل السياسات وتراكم الإهمال في شتى القطاعات.
فالاحتجاجات في أصلها مرآة صافية تكشف عورات مؤسسات لم تعد قادرة على الاستجابة لانتظارات الناس. التعليم يتردى، والصحة تنهار، والشغل بات وهما يوزع على الورق، بينما العدالة الاجتماعية تُستعمل شعارا في الحملات الانتخابية أكثر مما تمارس على أرض الواقع. من الطبيعي إذن أن ينفجر الشارع، فالقهر إذا اجتمع مع التجاهل لا يفرز إلا الغضب.
المسؤولون عندنا يتقنون لعبة الاختباء خلف الكواليس، يخرجون إلينا بخطابات منمقة، يعدون ولا يوفون، يزرعون الأوهام ثم يتوارون خلف جدران الامتيازات. وحين يعلو صوت الشعب، يتهمونه بالتحريض أو المساس بالنظام العام، وكأن المطالبة بالحق في الكرامة جريمة تستحق العقاب.
الاحتجاجات رسالة واضحة تقول لقد طفح الكيل. رسالة إلى كل من اعتقد أن الناس مجرد أرقام في تقارير أو صور في نشرات الأخبار. رسالة إلى كل من يعتقد أن الصبر لا ينفد. وحين يصرخ الشارع، فهذا يعني أن الخلل لم يعد جزئيا، بل بنيويّا يمس صميم الدولة وسياستها.
لكن الأخطر من الاحتجاجات نفسها هو ذاك الصمم المتعمد من طرف المسؤولين. فبدل الإصغاء لمطالب المواطنين والعمل على إصلاح الخلل، يفضلون سياسة الترقيع وتوزيع المسكنات، إلى أن تتفاقم الأزمة من جديد. إنها دائرة مفرغة لا تنتهي، يتكرر فيها المشهد وعود زائفة، غضب شعبي، قمع، ثم وعود جديدة بنفس اللغة البالية.
إن صوت الشارع ليس نشازا، بل هو اللحن الحقيقي لمعاناة الناس. أما المؤسسات التي تتجاهل هذا الصوت، فهي شريكة في صناعة الانفجار. وآن الأوان ليدرك هؤلاء أن الاحتجاج ليس مشكلة بحد ذاته، بل هو نتيجة لمشاكل أعمق. فإما أن ينصتوا بحكمة ويستجيبوا بجرأة، أو يتركوا الساحة لمن يفهم أن خدمة الناس ليست منّة بقدر ما هي واجبة. 👌✌️