“سعيد العنزي تاشفين.. صوتٌ يتكلم بلا خشب ولا أقنعة”

0 1٬218

✍🏻 بقلم: مصطفى بوكريم

في زمنٍ أصبح فيه الخطاب العام محكومًا بالاصطفاف والانتماء المسبق، برز صوت مختلف اسمه سعيد العنزي تاشفين، ليعيد إلى الواجهة معنى الصراحة والفكر الحر في النقاش السياسي والاجتماعي بالمغرب. تابعته في حلقة “بدون خشب” التي استضافه فيها الإعلامي رضوان الرمضاني، فخرجت بانطباع واحد وواضح: الرجل لا يتحدث بخشب ولا يختبئ وراء الأقنعة. كان صادقًا إلى حدّ الإقناع، وواضحًا إلى حدّ التحدي.

منذ سنوات، والمشهد السياسي المغربي يعيش على وقع خطابات متكررة ومستهلكة: يسار يكرر نفسه بخطابٍ متجاوز لا يواكب تحولات المجتمع، وإسلاميون تاهوا بين خطاب الدعوة ومطامع السلطة، ووسط هذا الركام الفكري والسياسي يظهر تاشفين بنغمة مختلفة تمامًا. نغمة تجمع بين الولاء للمؤسسات والثوابت الوطنية، وبين الجرأة في فضح الفساد ومساءلة النخب. إنه الخطاب الذي يبحث عنه المغاربة منذ زمن، خطابٌ لا يُزايد على الوطن، ولا يخاف من قول الحقيقة.

ما قاله سعيد العنزي تاشفين لم يكن تنظيرًا أكاديميًا جافًا، بل كان صوت وعيٍ جديد يتشكل في المغرب؛ وعيٌ لا يرى أي تناقض بين حب الوطن والنقد الصادق، بين الإخلاص للملكية والمطالبة بإصلاح المؤسسات. هذه المعادلة الصعبة التي يهرب منها كثيرون لأنها تتطلب شجاعة فكرية، واستقلالًا عن “القبائل السياسية” التي عوّدتنا على الاصطفاف الأعمى والمصالح الضيقة.

تاشفين تحدّث بلسانٍ مغربيٍّ ناضج، لا يسعى لإرضاء جهةٍ ولا لمغازلة الشارع، بل ليضع الإصبع على الجرح ويقول بوضوح: الملكية ضامن للاستقرار، لكنها تحتاج إلى نخب صادقة ونزيهة تساندها في معركة الإصلاح. كلامه لم يكن تمردًا، بل دعوة إلى ترشيد النقد والانتقال من ثقافة الشكوى إلى ثقافة البناء. فالوطن لا يُبنى بالصراخ ولا بالشعارات، بل بالعقل والمصارحة والمسؤولية.

لقد استطاع تاشفين أن يُعيد إلى الأذهان قيمة الصراحة في زمن المراوغة، وفضيلة التفكير الهادئ في زمن الصراخ. لقد قال ما لم يجرؤ كثيرون على قوله: إن حب الوطن لا يعني السكوت عن أخطائه، وإن الدفاع عن الثوابت لا يتناقض مع المطالبة بإصلاح مؤسسات الدولة، وإن الوفاء للملكية لا يعني الولاء للأشخاص، بل الإخلاص للمشروع الوطني الكبير.

الحلقة التي ظهر فيها لم تكن مجرد مرور إعلامي، بل كانت لحظة كاشفة لتحولٍ في وعي المغاربة؛ لحظة أدرك فيها كثيرون أن الوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل موقفٌ يُعاش وجرأةٌ تُمارس. لقد جسّد تاشفين في حديثه ما يمكن وصفه بولادة “جيل فكري مغربي جديد”؛ جيل لم يعد أسير الأيديولوجيات القديمة ولا رهينة الخطب الجوفاء، بل مؤمن بفكرة الدولة العادلة التي توازن بين السلطة والمسؤولية، وبين الحقوق والواجبات.

وإن كانت السياسة المغربية اليوم تعاني من أزمة ثقة وغياب رموز مقنعة، فإن سعيد العنزي تاشفين يمثل بوادر خطابٍ تصالحي جديد: خطاب يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، ويراهن على الإصلاح من الداخل لا من الهامش، وعلى بناء الثقة لا تحطيمها.

ختامًا، يمكن القول إن ظهور تاشفين في “بدون خشب” لم يكن حدثًا عابرًا، بل لحظة رمزية تعبّر عن تحولٍ في الوعي العام المغربي. فحين يتكلم الناس بلا خشب ولا أقنعة، تبدأ الحقيقة في أخذ شكلها الطبيعي، وتستعيد الوطنية معناها الأصيل: حبٌ للوطن، وجرأةٌ في نقده، وإخلاصٌ في خدمته

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.