“مشروع تجريم التشكيك في الانتخابات.. بين حماية الديمقراطية وتكميم الأصوات”
أولى نيوز.. محمد-النوري.
خمس سنوات سجناً لمن يشكك في الانتخابات، مشروع قانون جديد قدمه وزير الداخلية أثار جدلاً واسعاً داخل الشارع المغربي، وفتح الباب أمام نقاش مجتمعي حاد حول حدود حرية التعبير وموقع المواطن في العملية الديمقراطية. فبين من يرى في القانون خطوة لتحصين المسلسل الانتخابي من الأخبار الزائفة، ومن يعتبره تكميمًا للأفواه ومحاولة لإسكات النقد، ينقسم الرأي العام حول ما إذا كان هذا التشريع حماية للديمقراطية أم تهديدًا لها.
الوزارة الوصية برّرت مشروعها بكونه يهدف إلى حماية الثقة في المؤسسات الانتخابية وصون نزاهة المسار الديمقراطي من الشائعات والمغالطات التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرة أن هذه الظواهر باتت تشوش على العملية السياسية وتفقدها مصداقيتها. غير أن شريحة واسعة من المغاربة تنظر إلى الأمر بعين الريبة، معتبرة أن الشك في الانتخابات ليس جريمة بل حق، وأن الديمقراطية التي تخاف من النقد لا يمكن أن تكون ديمقراطية حقيقية.
يقول سفيان بوعزة، طالب جامعي من الدار البيضاء: “من حقنا نشك ونسول، لأننا جربنا انتخابات سابقة وشاهدنا تجاوزات. إذا كانت الوزارة واثقة من نزاهة الانتخابات، فلتتركنا ننتقد بدل أن تخيفنا بالقانون”. بينما ترى عائشة الزياني، موظفة من مراكش، أن المشروع يسير في الاتجاه الخاطئ: “بدل ما يحاسبوا اللي كيدير التزوير، باغين يحاسبوا اللي كيهدر عليه! الديمقراطية ما كتخافش من النقد”.
في المقابل، هناك أصوات تعتبر أن القانون ضروري للحد من الفوضى التي تعرفها وسائل التواصل خلال فترات الانتخابات، وأن الغاية منه ليست تكميم الأفواه وإنما وضع حدود أمام نشر الأخبار الكاذبة. يقول عبد القادر الإدريسي، موظف جماعي من فاس: “كنشوف بزاف ديال الناس كينشرو إشاعات بلا دليل، هاد الشي كيهز الثقة فالبلاد. خاص يكون قانون يوقف الكذب، ماشي النقد”.
غير أن منظمات المجتمع المدني والفاعلين الحقوقيين يرون في هذا المشروع عودة إلى الرقابة المقنّعة، خاصة أنه لا يميز بين النقد الموضوعي والتشكيك المغرض. تقول أمينة السعدي، فاعلة جمعوية من أكادير: “المواطن اللي ينتقد طريقة التنظيم أو يشكك في الشفافية، ماشي مجرم. بالعكس، هو كيمارس حقه في الرقابة الشعبية اللي كتعطي المصداقية لأي انتخابات”.
الجدل حول مشروع القانون يتزامن مع استعداد البلاد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في ظرفية تتسم بتراجع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. ويرى بعض المحللين أن النص الجديد، رغم نواياه المعلنة، قد يفاقم منسوب الشك بدل أن يعزز الشفافية، لأنه يضع المواطن أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن يصمت، وإما أن يُتهم بالإساءة إلى العملية الانتخابية.
يقول الخبير في الشأن السياسي يوسف بنحمو إن النية في ضبط الخطاب الانتخابي مفهومة، لكن الصيغة الحالية خطيرة، لأن المطلوب هو تقوية الثقة لا إخافة الناس من الكلام. ويضيف أن المؤسسات القوية تُبنى بالنقاش لا بالخوف، وأن الديمقراطية التي تجرّم التساؤل تضعف نفسها من حيث تريد أن تحميها.
وبين من يساند المشروع بدعوى حفظ هيبة المؤسسات، ومن يرفضه دفاعاً عن حرية الرأي، يبقى السؤال مطروحاً بحدة: هل تحتاج الديمقراطية إلى من يحميها من النقد أم إلى من يمنحها قوة النقاش؟ فالثقة لا تُفرض بالقانون، بل تُكتسب بالفعل، والمغاربة كما يقول أحد المواطنين من الرشيدية، “ما كتجيهمش الثقة بالخطابات، كتجيهم بالفعل”.
وهكذا، يظهر أن مشروع تجريم التشكيك في الانتخابات، مهما حاول أن يتستر خلف شعارات حماية المسار الديمقراطي، يضع المغرب أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن نؤمن أن النقد يقوي الدولة، أو نواصل اعتبار الصمت دليل الولاء. وفي الحالتين، سيبقى صوت الشارع هو المعيار الحقيقي لمدى نضج التجربة الديمقراطية المغربية.