مريرت، إقليم خنيفرة: معاناة العمال الكادحين مع شركة تويسيت المنجمية
جريدة أولى نيوز، مصطفى بوعمراوي
يعيش عمال مناجم إغرم أوسار، وجبل عوام، وسيدي أحمد، وإݣر أوجنا، وباقي الوحدات المنجمية التابعة لشركة تويسيت، رفقة أسرهم وعموم المجتمع المحلي، على وقع قلق خانق وغير مسبوق. قلق لم يعد مرتبطاً فقط بتقلبات

السوق أو صعوبات ظرفية، بل أصبح خوفاً حقيقياً على مصير مؤسسة بأكملها، وعلى مستقبل مئات الأسر التي لا مورد لها سوى هذا النشاط المنجمي.
هذا الوضع المتفجر لم يسقط من السماء، بل هو النتيجة المباشرة لتراكم سنوات من سوء التدبير، وانعدام الحكامة، واتباع أساليب وصفت، حتى داخل الأوساط المهنية، بكونها قائمة على التضليل والمغامرة غير المحسوبة والعشوائية في اتخاذ القرار. مرحلة كاملة تُركت فيها الشركة تنزلق نحو حافة الهاوية دون أي محاسبة جدية، إلى أن انفجرت الملفات الثقيلة دفعة واحدة.
اليوم، تجد الشركة نفسها في قلب عاصفة قضائية غير مسبوقة، بعد المتابعات التي حركتها إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة على خلفية قضايا تتعلق بالتهرب الضريبي وتهريب شحنات من المعادن عبر ميناء الناظور بطرق غير قانونية نحو الخارج. وقد سبق للمحكمة أن أصدرت أحكاماً في هذا الملف، من بينها إدانة المسؤول الأول عن الشركة بعقوبة حبسية موقوفة التنفيذ، مع إلزام الشركة بإرجاع ما يقارب 13,7 مليون درهم لفائدة إدارة الضرائب، في انتظار ما ستسفر عنه باقي مراحل التقاضي في ملفات لا تقل ثقلاً.
هذه الوقائع القضائية ليست مجرد تفاصيل تقنية، لكنها تشكل تهديداً مباشراً لبقاء الشركة نفسها. فسيناريو الحجز على ممتلكاتها أو دخولها في مسار الإفلاس لم يعد مجرد فرضية نظرية، بل احتمال واقعي في حال استمرار النزيف القانوني والمالي. وفي هذه الحالة، من سيدفع الثمن؟ ليس من راكم الأخطاء ولا من اتخذ القرارات الكارثية، بل العمال البسطاء الذين سيجدون أنفسهم فجأة في الشارع، ومعهم أسر كاملة، ومنطقة برمتها ستُدفع نحو ركود اقتصادي واجتماعي خانق.
فالمنجم في هذه المناطق وحدة إنتاج، وهو بمثابة القلب النابض للاقتصاد المحلي. أجور العمال هي التي تحرك التجارة والخدمات والنقل وكل الدورة الاقتصادية. أي شلل في هذا القطاع يعني تلقائياً شللاً في الحياة اليومية لآلاف المواطنين، وفتح الباب أمام البطالة والفقر والهشاشة الاجتماعية.
أمام هذا الوضع الخطير، لم يجد العمال بداً من رفع صوتهم. فإعلان إضراب إنذاري لمدة 24 ساعة من طرف نقابتين ليس نزوة ولا مزايدة نقابية، بل هو صرخة احتجاج في وجه الصمت والتجاهل، ومحاولة أخيرة لدق ناقوس الخطر قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة. كما أن دعوة نقابة تابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلى عقد اجتماع طارئ لتدارس الوضع والدفاع عن المكتسبات ليست سوى مؤشر على أن الاحتقان بلغ مستويات غير مسبوقة.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا يُترك العمال دائماً في الواجهة لتحمل كلفة أخطاء لم يكونوا طرفاً فيها؟ ولماذا تتأخر آليات المحاسبة إلى أن تصبح المؤسسة مهددة في وجودها، ويصبح المجتمع المحلي رهينة لقرارات وتدبيرات فاشلة؟
ما يحدث في تويسيت نموذج صارخ يُسائل قطاع المناجم ككل، كيف يمكن لسوء الحكامة أن يتحول إلى خطر اجتماعي واسع النطاق؟. وإذا لم يتم التدخل العاجل لإنقاذ الشركة، وإعادة ترتيب بيتها الداخلي على أسس الشفافية والمساءلة وحماية العنصر البشري الذي هو محور الانتاج فيها، فإن المنطقة كلها قد تجد نفسها أمام كارثة اقتصادية واجتماعية سيكون من الصعب احتواء آثارها.