قصر السوق (الرشيدية): المحطة الطرقية بين عبء الهجرة وتحديات التدبير المحلي
بقلم: محمد النوري
في قلب مدينة قصر السوق (الرشيدية)، حيث تعبر الحافلات يومياً حاملةً المسافرين من وإلى عمق الجنوب الشرقي للمملكة، تتحول المحطة الطرقية إلى مرآة تعكس واقعاً إنسانياً معقداً يتقاطع فيه المحلي بالإقليمي، والاجتماعي بالإنساني.
بمجرد ولوجك إلى فضاء المحطة، تستقبلك وجوه شابة قادمة من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء؛ من بنين والسنغال ومالي والسودان. شباب في مقتبل العمر، أنهكتهم الرحلة، وأثقلتهم خيبات الطريق. أحدهم، في حديث مع جريدة “أولى نيوز”، يلخص المأساة بكلمات مقتضبة: “لا نحن وصلنا إلى أوروبا، ولا نحن وجدنا من يساعدنا هنا، ولا حتى تمت تسوية وضعيتنا لنبدأ من جديد.”
هؤلاء العالقون في “منطقة رمادية” بين الحلم والواقع، يعيشون أوضاعاً اجتماعية ونفسية صعبة، تتفاقم مع قساوة المناخ في جهة درعة-تافيلالت، حيث البرد القارس ليلاً يزيد من هشاشتهم، في ظل غياب حلول مستدامة وواضحة.
في الجهة المقابلة، تعبر بعض الساكنة المحلية عن شعور مزدوج، يتراوح بين التعاطف الإنساني والضغط النفسي. سيدة مغربية، التقتها الجريدة داخل أحد مقاهي المحطة، تقول بنبرة يغلب عليها التردد: “نحس بهم ونتألم لوضعهم، ولكن في نفس الوقت أصبحنا نشعر بعدم الارتياح… لا نحن مرتاحون ولا هم كذلك.” كلمات تختزل حالة من القلق الاجتماعي، حيث يتداخل الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية مع مخاوف مرتبطة بالأمن والتنظيم.
وتطرح هذه الوضعية أسئلة جوهرية حول تدبير فضاءات النقل العمومي، التي تعاني أصلاً من إشكالات متراكمة، من بينها تواجد بعض ذوي السوابق العدلية، وغياب مراقبة صارمة للأنشطة غير القانونية كالسماسرة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد داخل المحطة.
أسئلة معلقة أمام الجهات المعنية:
• أين تقف حدود المسؤولية بين المقاربة الأمنية والمقاربة الإنسانية في التعامل مع المهاجرين؟
• ما دور السلطات المحلية في ضمان كرامة هؤلاء الأفراد، دون الإخلال بتوازن الفضاء العام؟
• لماذا لا يتم تسريع مساطر تسوية الوضعية القانونية أو تنظيم عمليات العودة الطوعية؟
• وأين موقع المجتمع المدني في احتواء هذه الفئة وتخفيف الاحتقان الاجتماعي؟
إن ما تعيشه المحطة الطرقية بالرشيدية ليس حالة معزولة، بل هو جزء من مشهد أوسع يعكس تحديات الهجرة غير النظامية في المغرب، كبلد عبور واستقرار في آن واحد. وبين ضرورة احترام كرامة الإنسان والحفاظ على النظام العام، يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد توازن عادل يراعي الجميع، بعيداً عن خطاب التوتر أو الوصم.
في النهاية، تبقى الإنسانية هي المعيار، والسياسات الرشيدة هي الحل.