جهاز كشف الغش في امتحانات البكالوريا.. بين وعود التكنولوجيا وأسئلة الشفافية والفعالية
أثار اعتماد جهاز كشف الهواتف المحمولة داخل مراكز امتحانات البكالوريا نقاشاً واسعاً في الأوساط التربوية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خاصة بعد الترويج له باعتباره حلاً تكنولوجياً متطوراً لمحاربة ظاهرة الغش التي تؤرق المنظومة التعليمية منذ سنوات.
وقد جرى تقديم الجهاز باعتباره ثمرة تطوير محلي يعتمد على تقنيات متقدمة لرصد الهواتف والأجهزة الإلكترونية داخل محيط قاعات الامتحان، في خطوة اعتبرها البعض مؤشراً على انخراط المؤسسات التعليمية في توظيف الابتكار التكنولوجي لحماية مصداقية الشهادات الوطنية.
غير أن هذا التقديم لم يمنع من طرح تساؤلات عديدة حول الجوانب التقنية والقانونية والمالية المرتبطة بالمشروع. فبينما تم تسويق الجهاز على نطاق واسع باعتباره منتوجاً مغربياً، يثير متابعون تساؤلات حول طبيعة الحماية القانونية التي يتمتع بها، وما إذا كان الأمر يتعلق ببراءة اختراع تقنية أم بعلامة تجارية مسجلة فقط، وهو فرق جوهري من الناحية القانونية والتقنية.
وفي السياق ذاته، ذهب عدد من المهتمين بالشأن التكنولوجي إلى مقارنة الجهاز بمنتجات مشابهة متوفرة في الأسواق الدولية، معتبرين أن تقييم درجة الابتكار الحقيقي يتطلب معطيات تقنية دقيقة وخبرات مستقلة قادرة على تحديد ما إذا كان المنتوج يمثل إضافة نوعية أم مجرد تطوير لتقنيات موجودة سلفاً.
كما برزت أسئلة أخرى مرتبطة بكلفة اقتناء هذه الأجهزة وظروف التعاقد بشأنها، خاصة في ظل غياب معطيات تفصيلية متاحة للرأي العام حول مسطرة الشراء ومعايير الاختيار والكلفة الإجمالية للعملية. ويرى متابعون أن نشر هذه المعطيات من شأنه تعزيز الثقة وترسيخ مبادئ الحكامة والشفافية في تدبير المال العام.
وعلى المستوى الميداني، تباينت الانطباعات بشأن فعالية الجهاز خلال فترة الامتحانات. فبينما سجلت بعض المراكز حالات تم فيها رصد أجهزة إلكترونية وضبط مخالفات مرتبطة بالغش، تحدثت شهادات أخرى عن إنذارات لم تسفر عمليات التحقق اللاحقة عن العثور خلالها على أي هاتف أو وسيلة إلكترونية، ما يطرح تساؤلات حول هامش الخطأ المحتمل في عملية الرصد.
كما أبدى بعض المترشحين ملاحظات مرتبطة بطريقة التفتيش والإجراءات المصاحبة لاستعمال الجهاز، معتبرين أن الأجواء المصاحبة لعمليات المراقبة قد تساهم أحياناً في رفع منسوب التوتر والضغط النفسي خلال امتحانات تعد أصلاً من أكثر المحطات الدراسية حساسية بالنسبة للتلاميذ.
وفي مقابل ذلك، يؤكد المدافعون عن هذه التكنولوجيا أن أي نظام إلكتروني يبقى قابلاً للتطوير والتحسين، وأن نجاحه ينبغي أن يقاس على المدى المتوسط والبعيد من خلال مؤشرات دقيقة تتعلق بتراجع حالات الغش ومدى فعالية الرصد مقارنة بالوسائل التقليدية.
وبين المؤيدين والمعارضين، يبقى الرهان الحقيقي هو ضمان نزاهة الامتحانات الوطنية عبر حلول تجمع بين الفعالية التقنية واحترام حقوق المترشحين والشفافية في تدبير الصفقات العمومية، لأن نجاح أي مشروع لا يقاس فقط بالشعارات المصاحبة له، بل بقدرته على تحقيق النتائج المعلنة على أرض الواقع.