“حين يترجل صُنّاع الإنسان… الأستاذ محمد الشبالي يغادر المنصب ويبقى شاهداً في ذاكرة الأجيال”

0 64

أولى نيوز-قلعة مكونة.

في الزمن الذي أصبحت فيه المهن تُقاس غالباً بعدد سنوات الخدمة، يظل هناك رجال لا تختصرهم الأرقام، لأن أعمارهم الحقيقية تُقاس بما غرسوه في العقول، وما أيقظوه في النفوس، وما تركوه من أثر لا تمحوه الأيام. ومن هذه القامات التربوية يبرز اسم الأستاذ محمد الشبالي، الذي لم يتعامل مع المدرسة باعتبارها فضاءً لتلقين المعارف فحسب، بل نظر إليها باعتبارها ورشة دائمة لصناعة الإنسان، ومختبراً يومياً لتشكيل الوعي، وترسيخ منظومة القيم، وإعداد مواطن قادر على حمل مسؤولية المستقبل.

لم يكن حضوره داخل المؤسسة التعليمية حضور موظف يؤدي واجباً إدارياً، ولا أستاذاً يكتفي بإنهاء الحصص الدراسية وفق الجداول الزمنية، بل كان ضميراً تربوياً يقظاً، يؤمن بأن المدرسة تبدأ من احترام الإنسان قبل احترام المقرر، وأن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بنسب التحصيل، وإنما بقدرة المؤسسة على تخريج شخصيات متوازنة تمتلك المعرفة والضمير معاً.

وعلى امتداد مسيرة طويلة، راكم الأستاذ محمد الشبالي تجربة صنعتها التفاصيل الصغيرة قبل المحطات الكبرى؛ تفاصيل الإصغاء إلى تلميذ أنهكته الظروف، واحتواء متعلم كاد ينقطع عن الدراسة، ومساندة أسرة تبحث عن بصيص أمل في مستقبل ابنها، واتخاذ قرارات كانت تراعي مصلحة المتعلم قبل أي اعتبار آخر. لذلك لم يكن تأثيره محصوراً داخل أسوار المؤسسة، بل امتد إلى البيوت والمجتمع، حيث تحولت جهوده الهادئة إلى قصص نجاح يرويها من عرفوه وتتلمذوا على يديه.

ومن بين تلك المقاعد الدراسية التي مر بها آلاف التلاميذ، خرج مهندسون وأطباء وأساتذة وقضاة وباحثون وأطر في مختلف القطاعات، يحمل كل واحد منهم، بوعي أو دون وعي، شيئاً من بصمة ذلك المربي الذي آمن بأن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في الإنسان. كما أولى اهتماماً خاصاً بالمتعلمين الذين كانت تعترضهم صعوبات تعليمية أو اجتماعية، مؤمناً بأن العدالة التربوية لا تتحقق بالشعارات، وإنما بالإنصاف في المرافقة، وبمنح كل متعلم ما يحتاجه ليكتشف قدراته ويصنع تميزه.

واليوم، وهو يطوي صفحة من مساره المهني بإحالته على التقاعد، فإن المؤسسة التعليمية تودع إطاراً إدارياً، لكن الذاكرة الجماعية تحتفظ بمربٍ تجاوز حدود الوظيفة إلى فضاء الرسالة. فالتقاعد ينهي علاقة الموظف بالإدارة، لكنه لا يستطيع أن يقطع الصلة بين المربي وأثره، لأن القيم لا تُحال على التقاعد، والضمائر التي أسهم في تشكيلها تواصل رسالتها كل يوم في الجامعات والمستشفيات والمحاكم والإدارات والمقاولات وميادين الخدمة العامة.

إن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد سنوات عطائه ليس شهادة تقدير تُعلق على الجدار، ولا وساماً يُحفظ في خزانة، وإنما أجيال تعرف معنى المسؤولية، وتؤمن بقيمة العلم، وتحمل أخلاقاً تجعلها امتداداً حقيقياً لمن علمها ورباها. وهذا هو الإرث الذي خلفه الأستاذ محمد الشبالي؛ إرث لا يُقاس بالوثائق الإدارية، بل بحجم الامتنان الذي يسكن قلوب تلامذته وزملائه وكل من تقاطعت حياته مع مسيرته.

قد يغادر الأستاذ محمد الشبالي مكتبه، وتُطوى ملفات إدارية تحمل اسمه، غير أن سيرته ستظل مفتوحة في ذاكرة من عرفوه، لأن الرجال الذين يكرسون حياتهم لصناعة الإنسان لا يغيبون برحيلهم عن مناصبهم، بل يبدأ حضورهم الحقيقي يوم تتحول أعمالهم إلى ذاكرة جماعية، ويصبح أثرهم جزءاً من تاريخ مؤسسة، ومن حكاية وطن لا يبنيه إلا المربون الذين يزرعون في صمت، ليحصد المجتمع ثمار عطائهم جيلاً بعد جيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.