“من أجل مناظرة انتخابية أمام المواطنين.. حان وقت أن يتحدث المرشحون بالبرامج لا بالشعارات”
انتخابات-أولى نيوز.
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يبدو أن الوقت قد حان لطرح سؤال مختلف على المرشحين والفاعلين السياسيين: لماذا لا نجلس جميعاً أمام المواطنين، في مناظرة انتخابية مفتوحة، ونضع البرامج والأفكار والوعود تحت مجهر النقاش العمومي؟
الفكرة ليست ترفاً إعلامياً، ولا محاولة لصناعة فرجة انتخابية جديدة، وإنما دعوة إلى إعادة الاعتبار لفكرة أساسية في الديمقراطية: المواطن من حقه أن يعرف، والمرشح من واجبه أن يشرح، والناخب من حقه أن يسأل قبل أن يمنح صوته.
لقد اعتاد المواطن، خلال المواسم الانتخابية، على متابعة تجمعات انتخابية تتكرر فيها الخطابات نفسها، وتُرفع فيها الشعارات نفسها، وتُقدم فيها وعود كبيرة دون أن يجد الناخب دائماً فرصة حقيقية لمساءلة أصحابها حول التفاصيل: كيف ستنفذ هذه الوعود؟ ما كلفتها؟ من سيمولها؟ وما الجدول الزمني لتحقيقها؟ وماذا سيحدث إذا لم تتحقق؟
لهذا، لماذا لا نغير قواعد اللعبة هذه المرة؟
لماذا لا ندعو المرشحين إلى مناظرة علنية، أمام المواطنين، يكون فيها لكل واحد منهم الوقت نفسه لعرض مشروعه، والفرصة نفسها للرد على الأسئلة، دون امتياز لمرشح على حساب آخر؟
مناظرة لا تقوم على التشهير أو الشخصنة، ولا تتحول إلى تصفية حسابات، وإنما تضع البرنامج في مواجهة البرنامج، والفكرة أمام الفكرة، والأرقام أمام الأرقام، والوعود أمام إمكانية التنفيذ.
وفي جهة مثل درعة تافيلالت، التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية ومجالية حقيقية، فإن المواطن لا يحتاج إلى سماع كلام عام عن التنمية بقدر ما يحتاج إلى معرفة التصور العملي لكل مرشح.
ماذا سيقترح المرشح بشأن التشغيل؟ كيف يمكن خلق قيمة اقتصادية محلية؟ ماذا سيفعل تجاه أزمة الماء؟ كيف يمكن تطوير الفلاحة والواحات والسياحة والصناعات المرتبطة بالموارد المحلية؟ ماذا عن الاستثمار؟ وماذا عن الشباب؟ وكيف يمكن تحويل الكفاءات المحلية والمغاربة المقيمين بالخارج والمتقاعدين إلى قوة اقتصادية واجتماعية بدل بقائها خارج دورة التنمية؟
هذه وغيرها ليست أسئلة استفزازية، بل أسئلة طبيعية يفترض أن تكون في قلب أي نقاش انتخابي جدي.
والأهم من ذلك أن المناظرة يمكن أن تمنح المواطنين فرصة لاختيار ممثليهم على أساس مختلف: ليس على أساس الاسم العائلي، ولا الانتماء القبلي، ولا عدد الأشخاص الذين يستطيع المرشح جمعهم في تجمع انتخابي، وإنما على أساس القدرة على الإقناع والكفاءة وجودة المشروع وقابلية الوعود للتحقق.
نحن لا نقترح محاكمة للمرشحين، ولا نبحث عن إقصاء أحد. على العكس، المناظرة العلنية تمنح الجميع فرصة متساوية للدفاع عن أنفسهم وعن برامجهم، وتمنح المواطن فرصة نادرة للاستماع إلى مختلف التصورات في المكان والزمان نفسيهما، ثم اتخاذ قراره بعيداً عن الضجيج الانتخابي.
ويمكن أن تكون الأسئلة موجهة من المواطنين أنفسهم، مع اعتماد قواعد واضحة تضمن تكافؤ الفرص، وتحديد وقت لكل متدخل، ومنع المقاطعة والتجريح الشخصي، وإلزام كل مرشح بتقديم إجابات واضحة ومحددة قدر الإمكان.
فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست مسابقة في رفع الصوت، وليست مهرجاناً للتصفيق، وليست مجرد صور ولافتات ووعود موسمية. السياسة مسؤولية عمومية، والانتخابات ليست مناسبة لاختيار الأشخاص فقط، وإنما فرصة لاختيار التصور الذي نعتقد أنه قادر على معالجة مشاكلنا وتحسين واقعنا.
ومن هنا، فإن دعوتنا مفتوحة إلى جميع المرشحين الذين سيخوضون الاستحقاقات المقبلة: تعالوا إلى المناظرة.
تعالوا واجلسوا أمام الناس.
قدموا برامجكم.
دافعوا عن أفكاركم.
اقبلوا الأسئلة الصعبة.
قولوا للناس ماذا ستفعلون، وكيف ستفعلونه، وبأي إمكانيات، وفي أي مدة.
والأهم، اتركوا للمواطنين حق الحكم بينكم.
فإذا كنا نريد فعلاً انتخابات مختلفة، فعلينا أن نبدأ بتغيير ثقافة الانتخابات نفسها. وإذا كنا نريد ممثلين قادرين على الدفاع عن مصالح المنطقة داخل المؤسسات، فمن المنطقي أن نراهم أولاً وهم يدافعون عن أفكارهم أمام مواطنيهم.
المواطن لا يريد مرشحاً يجيد الكلام فقط؛ يريد من يستطيع أن يشرح، ويقنع، ويخطط، ويتحمل المسؤولية.
ولذلك، ربما يكون أفضل شعار انتخابي هذه المرة بسيطاً جداً:
لا نريد أن نسمعكم في التجمعات فقط… نريد أن نراكم أمام الناس.
مناظرة واحدة قد تكشف للمواطن أكثر مما تكشفه عشرات الملصقات الانتخابية.
بقلم.. محمد النوري
مقال رأي.