“التنمية تبدأ من الميدان.. حين تتحول النخب المحلية من متفرج إلى فاعل”
قلعة مكونة-أولى نيوز.
إعداد.. محمد النوري.
في الأقاليم الواحية، لا يمكن اختزال سؤال التنمية في المشاريع والاعتمادات والبرامج، لأن جوهر التنمية يبدأ قبل ذلك من الإنسان القادر على فهم المجال، وقراءة تحوّلاته، والاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية للساكنة. فالمجال لا يحتاج فقط إلى من يعرفه على الخريطة، بل إلى من يعيش إيقاعه، ويتابع مشكلاته، ويعرف مكامن قوته واختلالاته، ويستطيع تحويل المطالب المتفرقة إلى رؤية واضحة للترافع والعمل المؤسساتي.




ومن هذه الزاوية، تبرز أهمية النخب المحلية المقيمة، ليس باعتبارها بديلاً عن أبناء المنطقة المقيمين خارجها، ولا باعتبار أن الانتماء الجغرافي وحده يمنح صاحبه أحقية التمثيل، وإنما لأن القرب من الميدان يمنح الفاعل قدرة أكبر على التقاط التفاصيل التي قد لا تظهر في التقارير ولا في الاجتماعات الموسمية. فهناك فرق بين من يزور المجال في مناسبات محددة، ومن يعيش يومياً أسئلة الماء والطرق والتعليم والصحة والفلاحة والسياحة وفرص الشغل، ويتابع انعكاساتها على الأسر والشباب والقرى والواحات.
ولا يعني هذا بأي حال من الأحوال التقليل من قيمة أبناء الإقليم المقيمين في المدن المغربية أو خارج أرض الوطن؛ فالكفاءات المهاجرة تشكل رصيداً مهماً يمكن أن يسهم في الاستثمار ونقل الخبرات والانفتاح على التجارب وتوسيع شبكات الترافع والتعاون. غير أن هذا الدور يصبح أكثر نجاعة حين يتكامل مع الفاعل الموجود في الميدان، بدل أن يتحول إلى محاولة لتعويضه أو احتكار الحديث باسمه.
ولعل التحولات التي عرفها إقليم تنغير خلال السنوات الأخيرة تكشف أن المجتمع المحلي لم يعد كما كان؛ فالبنية الاجتماعية تتغير، والوعي العام يتطور، والشباب أصبح أكثر حضوراً في النقاش العمومي، كما أن مفهوم التمثيلية نفسه بات خاضعاً لأسئلة جديدة تتجاوز الولاءات التقليدية والروابط الضيقة. وفي هذا السياق، لم يعد ممكناً إدارة الشأن المحلي بعقلية الأمس، ولا التعامل مع الساكنة باعتبارها كتلة انتخابية تتحرك فقط خلال مواسم الاستحقاقات.
المطلوب اليوم هو انتقال حقيقي من منطق «الحضور الانتخابي» إلى منطق «الحضور التنموي»، ومن منطق البحث عن التزكية إلى منطق بناء الثقة، ومن الحسابات الظرفية إلى الاشتغال على المدى المتوسط والبعيد. وهنا تبرز مسؤولية الفاعل السياسي المحلي في إنتاج خطاب جديد، يقوم على المعرفة والإنصات والقدرة على الترافع وتتبع تنفيذ الالتزامات، بدل الاكتفاء بالظهور عند اقتراب الاستحقاقات.
كما أن الفراغ الذي تركته تراجع بعض الأدوار التقليدية للنخب القبلية والجمعوية يفرض على النخب السياسية والمدنية إعادة التفكير في أدوات الوساطة والتمثيل. فالتحولات السوسيومجالية والديموغرافية والثقافية التي يعرفها الإقليم تحتاج إلى فاعلين قادرين على فهمها، لا إلى إعادة إنتاج صيغ قديمة لم تعد تستجيب بالضرورة لانتظارات الأجيال الجديدة.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي بالنسبة لتنغير لا يرتبط فقط بمن ينجح في الوصول إلى المؤسسات، وإنما بما إذا كان هذا الوصول سيتحول إلى قدرة فعلية على الدفاع عن مصالح الإقليم، واستثمار إمكاناته، ومراقبة البرامج، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح المجال أمام الكفاءات المحلية التي راكمت معرفة حقيقية بواقع المنطقة.
أما أولئك الذين يعيشون خارج الإقليم، فالمطلوب منهم ليس الانسحاب من المشهد، بل إعادة تعريف أدوارهم: دعم الكفاءات، نقل الخبرة، المساهمة في التأطير، تشجيع الشباب على الانخراط في الشأن العام، وفتح قنوات التعاون والاستثمار. فالمعركة التنموية لا تحتاج إلى صراع بين «المقيم» و«المهاجر»، بقدر ما تحتاج إلى تكامل بين الخبرة الموجودة في الخارج والمعرفة المتراكمة في الداخل.
وفي المقابل، فإن أبناء المنطقة المقيمين فيها مطالبون هم أيضاً بالخروج من موقع الانتقاد الدائم إلى موقع المبادرة، لأن القرب وحده لا يكفي، كما أن الانتماء وحده ليس شهادة كفاءة. ما تحتاجه تنغير هو نخبة تجمع بين الحضور الميداني، والوعي السياسي، والمعرفة التقنية، والنزاهة في التدبير، والقدرة على تحويل المطالب الاجتماعية إلى ملفات قابلة للترافع والإنجاز.
لقد كشفت الاستحقاقات الأخيرة أن المجتمع المحلي يتغير وأن معايير الاختيار والتمثيل أصبحت أكثر تعقيداً. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مراجعة عميقة لطريقة صناعة النخب، بعيداً عن منطق «المظلة» والظهور الموسمي، وقريباً من منطق الكفاءة والمسؤولية والالتصاق الحقيقي بالمجال.
فالتنمية في تنغير لن تُصنع من مكاتب بعيدة، ولن تُدار بالنيابة عن الساكنة، ولن تنجح بمجرد تبديل الوجوه. التنمية تبدأ عندما يصبح أبناء المجال شركاء فعليين في صياغة القرار، وعندما تتحول الكفاءة المحلية من طاقة مؤجلة إلى قوة اقتراح، وعندما يصبح الانتماء إلى المنطقة التزاماً يومياً لا مجرد عنوان انتخابي.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه اليوم ليس: من جاء من الخارج؟ ولا من بقي في الداخل؟ بل: من يملك القدرة على خدمة هذا المجال، ومن يستطيع أن يحول ثقة الناس إلى عمل مؤسساتي ملموس؟ تلك هي المعادلة التي ستحدد شكل النخبة الجديدة في تنغير، وتفتح الطريق أمام تنمية تنطلق من الواقع، وتعود بالنفع على أهله.