تأملات في العنف المدرسي..العنف ضد الأستاذ.

0 328

حسن تزوضى مدرس الفلسفة وأستاذ باحث.

أضحت ظاهرة العنف عامة و تعنيف الأساتذة من طرف المتعلمين خاصة تثير قلقاً متزايداً، مما يكشف عن أزمة عميقة في المنظومة التربوية والقيم المجتمعية. هذا السلوك، الذي كان يُعتبر استثناءً، أصبح يُنظر إليه كظاهرة تتطلب تحليلاً معمقاً يتجاوز تحميل المسؤولية للأفراد فقط، ليشمل المؤسسات والسياسات
الجذور العميقة للمشكلة
تعنيف الأستاذ ليس مجرد نتيجة لفعل عابر من التلميذ؛ بل هو انعكاس لتحولات اجتماعية وثقافية أعمق . فالتلميذ كجزء من نسيج المجتمع، يتأثر بعدة عوامل:
1. تراجع القيم التربوية: غياب الاحترام للأستاذ كرمز للمعرفة والقيم التربوية في ظل تفكك الأسرة وتغير منظومة القيم.
2. العنف المجتمعي: ازدياد مظاهر العنف في المجتمع والإعلام وتأثيرها على سلوكيات الشباب.
3. الإحباط المدرسي: سياسات تعليمية تهمل البعد النفسي والاجتماعي للمتعلمين، مما يولد شعوراً بالإقصاء أو الظلم.
المجلس التأديبي: هل يؤدي دوره؟
يشكل المجلس التأديبي آلية أساسية لمعالجة مثل هذه القضايا داخل المؤسسات التعليمية. ومع ذلك، فإن دوره غالباً ما يكون شكلياً، لأسباب متعددة:
ضعف الصلاحيات: يقتصر دوره على إصدار قرارات تأديبية لا تتعدى القيام بيعض اعمال البستنة في احسن الاحوال، مما يفقده الهيبة.
ضغط المذكرات الوزارية: تشجع بعض المذكرات، مثل مذكرة “البستنة”، على حلول “بديلة” قد تكون مجدية في ظروف معينة لكنها تفشل في معالجة الجذور الحقيقية للعنف.
غياب التنسيق مع الأسرة: غالباً ما يتم التعامل مع التلميذ بمعزل عن أسرته التي تتحمل جزءاً من المسؤولية في التربية.
مذكرة البستنة
مذكرة “البستنة” تأتي كإجراء بديل للعقوبات التقليدية، وتعتمد على إدماج التلميذ في أنشطة مفيدة كوسيلة لإصلاح سلوكه. ورغم نبل الفكرة، إلا أن تطبيقها العملي يكشف عن محدوديتها:
غياب الجدية: يتحول النشاط أحياناً إلى إجراء شكلي دون متابعة أو إشراف.
عدم ملاءمة العقوبة للجريمة: هناك فرق كبير بين خطأ بسيط يستحق التوجيه، واعتداء جسدي أو لفظي على الأستاذ يتطلب موقفاً حازماً.
تأثير سلبي على صورة الأستاذ: عندما يُفرض على الأستاذ القبول بعقوبات غير رادعة، يضعف ذلك من هيبته أمام التلاميذ.
ما العمل؟
1. إعادة الاعتبار للأستاذ: ينبغي على السياسات التربوية والإعلامية تعزيز صورة الأستاذ كفاعل أساسي في بناء المجتمع.
2. تعزيز صلاحيات المجلس التأديبي: يجب منحه سلطة حقيقية لاتخاذ قرارات أكثر حزماً، مع احترام حقوق التلميذ.
3. الاهتمام بالصحة النفسية للتلاميذ: إحداث مراكز للإرشاد النفسي داخل المؤسسات التعليمية لمعالجة مشاكل التلاميذ قبل أن تتفاقم.
4. عقوبات متوازنة: الجمع بين التأديب التربوي والعقوبات الرادعة بما يتناسب مع خطورة الأفعال.
5. إشراك الأسرة والمجتمع: لأن المدرسة وحدها لا تتحمل مسؤولية تهذيب التلميذ.
ختاماً، ظاهرة تعنيف الأساتذة ليست مجرد أزمة تعليمية، بل مؤشر على أزمة أخلاقية وثقافية أعمق. يتطلب حلها مقاربة شمولية تتجاوز الحلول الجزئية والآنية نحو إصلاح شامل يعيد الاعتبار للتربية، ليس فقط في المدارس، بل في المجتمع ككل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.