اليوم العالمي للتلفزيون: انكماش التأثير وتزايد هيمنة الهواتف.

0 129

عبد الحق الحسيني.
شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولًا جذريًا في وسائل الإعلام التي يعتمد عليها الناس للحصول على المعلومات والترفيه، فبعد أن كان التلفزيون الوسيلة الأبرز التي تتجمع العائلة حولها وتنقل الأخبار والبرامج إلى ملايين المنازل، بدأت هذه الوسيلة تفقد جاذبيتها تدريجيًا أمام الزحف الكبير للتكنولوجيا الرقمية وعلى رأسها الهواتف الذكية. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في أدوات الاستخدام بل يعكس تحولًا أعمق في أنماط السلوك والتفاعل مع المحتوى والمنتوج الإعلامي.

إن التلفزيون الذي كان رمزًا لعصر كامل من الإعلام التقليدي يعتمد على نظام محدد يُقدم فيه المحتوى وفق جدول زمني صارم، هذا النموذج لم يعد يلبي احتياجات الجيل الجديد الذي يبحث عن المرونة والحرية في اختيار ما يشاهده ومتى يشاهده، في المقابل قدمت الهواتف الذكية حلولًا مبتكرة تتيح للمستخدمين الوصول إلى المحتوى في أي وقت ومن أي مكان، وأصبحت منصات البث الرقمي وتطبيقات التواصل الاجتماعي مراكز جديدة لعرض الأخبار والترفيه ما قلل من الاعتماد على التلفزيون كمصدر رئيسي الخبر.

وتعد إحدى نقاط القوة التي جعلت الهواتف الذكية تتفوق على التلفزيون هي قدرتها على تقديم تجربة شخصية لكل مستخدم بفضل الخوارزميات المتطورة، بات بإمكان التطبيقات أن تتعرف على اهتمامات المستخدمين وتقدم لهم محتوى يناسب أذواقهم، على الجانب الآخر ظل التلفزيون محافظًا على نهجه العام وهو ما جعله يفقد قدرته على مواكبة التغيرات في احتياجات الجمهور.

ويأتي التفاعل مع المحتوى أيضًا كعامل حاسم في هذا التحول، فالهواتف الذكية لم تكتفِ بتقديم المحتوى بل جعلت منه تجربة تفاعلية بفضل منصات مثل “فيسبوك” و”إنستغرام” و”تيك توك” أصبح بإمكان المستخدمين التعليق، المشاركة، وحتى إنشاء محتوى خاص بهم مما جعلهم جزءًا من العملية الإعلامية بدلاً من مجرد متلقين، التلفزيون بالمقارنة يظل وسيلة أحادية الاتجاه تُرسل المعلومات دون أن تُتيح مجالًا للمشاركة.

ويمكن القول أن هذا التحول لم يكن خاليًا من السلبيات أو لنقل تحديات، فعلى الرغم من المزايا الكبيرة التي وفرتها الهواتف الذكية إلا أنها جلبت معها قضايا جديدة مثل إدمان الشاشة، انتشار الأخبار الكاذبة، وتأثيرها السلبي على التركيز والتفاعل الاجتماعي الحقيقي، ومع ذلك لا يمكن إنكار أن هذه الأجهزة أصبحت أداة لا غنى عنها في الحياة اليومية.

وفي النهاية يمكن القول إن تراجع دور التلفزيون وتنامي تأثير الهواتف الذكية هو انعكاس طبيعي للتطور التكنولوجي والاجتماعي، ومع استمرار الابتكارات في هذا المجال يبدو أن الهواتف الذكية ستظل تسيطر على المشهد الإعلامي ما لم يجد التلفزيون طرقًا جديدة للتكيف مع المتغيرات واستعادة جزء من تأثيره السابق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.