تأملات في العنف المدرسي..في نقد مذكرة البستنة

0 435

حسن تزوضى..مدرس الفلسفة و استاذ باحث.
لقد صار انتشار العنف في المؤسسات التعليمية بمنطقة بني ملال وعموم المملكة المغربية يشكل ظاهرة مقلقة تدفع إلى التساؤل حول دور المدرسة في ضبط سلوك التلاميذ وإرساء بيئة تربوية سليمة، فالحوادث المتكررة التي يتورط فيها التلاميذ تسلط الضوء على تحديات النظام التأديبي داخل المدرسة المغربية. هذا الواقع دفعني إلى التأمل في مذكرة 14/867، الصادرة بتاريخ 17 أكتوبر 2014، التي تعنى بتأطير القرارات التأديبية الصادرة عن مجالس الأقسام كأداة لردع التلاميذ المخالفين. ورغم أن هذه المذكرة تهدف إلى تعزيز الإجراءات التأديبية، فإنها تثير تساؤلات حول مدى فعاليتها في التعامل مع السلوك العنيف الذي يستوجب ردعًا صارمًا.
السلوك العنيف داخل المؤسسات التعليمية يتطلب إجراءات حازمة تضع حدًا لتكراره وتحفظ النظام المدرسي. ومع ذلك، فإن العقوبات التي تقرها مجالس الأقسام وفقًا لمقتضيات المذكرة تواجه انتقادات متعددة، حيث يبدو أن هذه التدابير تركز على العقوبة بحد ذاتها دون أن تقدم حلولًا عملية لمعالجة الأسباب العميقة للعنف المدرسي. فعلى سبيل المثال، الإجراءات العقابية التي تشمل الإنذارات أو التوبيخ أو حتى الطرد المؤقت قد تحقق نوعًا من الردع الآني، لكنها غالبًا ما تفشل في تغيير سلوك التلميذ على المدى البعيد.
واحدة من أبرز المشكلات التي تطرحها المذكرة هي التركيز على الإجراءات العقابية بدلًا من التدابير التأهيلية التي تُمكن التلاميذ من إعادة بناء سلوكهم بشكل إيجابي. فعندما يتم الاكتفاء بطرد التلميذ أو إقصائه مؤقتًا، يُترك في مواجهة بيئة قد تعزز السلوكيات السلبية بدلًا من تقويمها، خاصة إذا كانت مشكلاته ناتجة عن ظروف اجتماعية أو نفسية صعبة. بدلًا من ذلك، كان من الممكن أن تتبنى المذكرة مقاربات بديلة أكثر عمقًا، مثل إدماج التلميذ في برامج إرشادية أو أنشطة تفاعلية تعزز لديه قيم الاحترام والتسامح.
علاوة على ذلك، تعاني مجالس الأقسام في كثير من الأحيان من غياب التكوين الكافي لأعضائها حول كيفية اتخاذ قرارات تأديبية متوازنة تراعي مصلحة التلميذ والمؤسسة في آن واحد. ففي ظل غياب أطر مرجعية واضحة لتصنيف العقوبات وربطها بمدى خطورة الأفعال المرتكبة، تتفاوت الأحكام الصادرة عن هذه المجالس، ما يفتح المجال للاتهامات بالتعسف أو عدم الإنصاف. هذا التفاوت يُضعف ثقة التلاميذ وأولياء الأمور في المنظومة التأديبية ككل.
إضافة إلى ذلك، فإن الإجراءات التأديبية التي تقرها مجالس الأقسام تعكس نهجًا يهدف إلى “إزالة المشكلة” بدلًا من معالجتها. فعندما يُفصل التلميذ أو يُقصى مؤقتًا، لا يتم تقديم أي دعم نفسي أو تربوي يعينه على مراجعة أفعاله وتطوير ذاته. هذا النقص في المتابعة التربوية يجعل العقوبات التأديبية مجرد حلول سطحية لا تعالج الأسباب الجذرية التي تؤدي إلى العنف.
لتحقيق الردع الصارم مع الحفاظ على الدور التربوي للمدرسة، ينبغي إعادة النظر في كيفية تطبيق مقتضيات المذكرة 14/867. يجب أن تكون العقوبات جزءًا من مقاربة شاملة تشمل توجيه التلاميذ ومساعدتهم على تجاوز مشكلاتهم بدل الاقتصار على الإجراءات الزجرية. إدماج برامج تأهيلية داخل المدارس، مثل جلسات الإرشاد النفسي أو ورش العمل التربوية، يمكن أن يكون أكثر فعالية في مكافحة العنف من الإجراءات العقابية البحتة.
كما أن تعزيز دور مستشاري التوجيه والدعم النفسي أصبح ضرورة ملحة. ينبغي أن تتضمن مجالس الأقسام أعضاء متخصصين في علم النفس التربوي لضمان اتخاذ قرارات تأديبية تراعي البعد النفسي والسلوكي للتلميذ. إلى جانب ذلك، يمكن الاستفادة من تجارب دولية ناجحة في اعتماد العقوبات التربوية البديلة، مثل إشراك التلاميذ في أنشطة تطوعية تعزز قيم التعاون والمواطنة بدلًا من اللجوء إلى الطرد والإقصاء.
انتشار العنف المدرسي ظاهرة معقدة تتطلب مقاربات شاملة ومرنة تراعي مصلحة التلميذ والمؤسسة في آن واحد. مذكرة 14/867، رغم نيتها تنظيم القرارات التأديبية، تظل قاصرة عن تقديم حلول متكاملة لهذه المشكلة. المطلوب هو رؤية تربوية أعمق تجعل من المدرسة فضاءً للإصلاح والبناء، لا مجرد أداة للعقاب. الردع الصارم ضروري، لكن يجب أن يكون ردعًا مبنيًا على التربية والتوجيه، لضمان بيئة تعليمية آمنة وعادلة للجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.