جبل بوايدو بين جرافات الإهمال وصمت المسؤولين.. صرخة في وجه جريمة ضد الذاكرة الإنسانية
محمد النوري – كلميم
في الوقت الذي تتسابق فيه الأمم لحماية آثارها باعتبارها ذاكرةً للوجود الإنساني، يعيش الجنوب المغربي اليوم واحدة من أبشع صور العبث بالتراث، بعدما دقّت النائبة البرلمانية حنان فطراس ناقوس الخطر بشأن ما وصفته بـ“جريمة مكتملة الأركان” تطال النقوش الصخرية بجبل بوايدو، الواقع بدوار تينزرت بجماعة تغجيجت بإقليم كلميم.
فقد تحركت الجرافات هناك في مشهدٍ يوصف بالصادم، وهي تقتحم صخوراً حاكتها أيادي الإنسان منذ آلاف السنين، لتحولها إلى ركامٍ صامت، كأنها تمحو فصولاً من تاريخٍ لم يعد يهم أحداً. هذه النقوش التي تُعد من أقدم الشواهد الإنسانية بالمغرب، لم تنجُ من تواطؤ الإهمال والتغاضي الإداري، في غياب تام لأي تدخل من الجهات الوصية على الثقافة والتراث.
حنان فطراس، النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، وصفت ما يحدث بـ“الاعتداء السافر على الذاكرة الجماعية للأمة”، معتبرةً أن تدمير النقوش الصخرية لا يختلف عن جريمة ضد التاريخ. فهذه المواقع لا تُمثل فقط إرثاً محلياً، بل جزءاً من التراث الإنساني المشترك الذي وثّق بدايات الوعي البشري على هذه الأرض.
وبحسب معطيات محلية، فإن المنطقة كانت إلى وقت قريب تُعتبر من المواقع الأثرية النادرة التي تستقطب باحثين في علم الإنسان والتاريخ القديم، لما تحتويه من رسوماتٍ لحيوانات منقرضة ورموزٍ دينية واجتماعية تعود إلى فترات ما قبل التاريخ. ومع ذلك، لم تُدرج بعد ضمن المناطق المصنّفة تراثاً وطنياً محمياً، ما جعلها عرضة للتدمير العشوائي والتوسع غير المراقب في الأشغال.
الخطورة في هذه الواقعة لا تكمن فقط في ضياع معالم أثرية، بل في غياب رؤية وطنية واضحة لحماية الموروث الثقافي بالمجال القروي. فالمغرب، رغم توقيعه على اتفاقيات دولية لحماية التراث، لا يزال يعاني من ضعف في المراقبة وغياب التنسيق بين وزارتي الثقافة والداخلية، وهو ما يفتح الباب أمام التدمير غير المقصود أحياناً والمتعمد أحياناً أخرى.
البرلمانية فطراس طالبت، في مراسلتها الموجهة إلى وزارة الثقافة، بـ“فتح تحقيق عاجل وتوقيف الأشغال فوراً، مع اتخاذ إجراءات زجرية ضد المتسببين في هذه الكارثة التراثية”، مؤكدة أن “السكوت عن مثل هذه الأفعال خيانةٌ للأجيال القادمة التي لن تجد من ماضيها سوى الغبار”.
من المقلق أن تتحول مواقع مثل جبل بوايدو إلى ساحةٍ مفتوحة للردم دون وعيٍ بقيمتها العلمية والتاريخية. فحين تُمحى النقوش الصخرية، لا نُفقد فقط موروثاً جغرافياً، بل نقطع صلة الإنسان بأصوله الحضارية التي تشهد على أولى صور الإبداع البشري في القارة الإفريقية.
لقد آن الأوان لتفعيل آليات الحماية الميدانية، لا بالاكتفاء بالبيانات أو الزيارات البروتوكولية، بل عبر تسوير المواقع الأثرية وتسجيلها ضمن التراث الوطني والدولي، مع إشراك الساكنة المحلية في حمايتها وتثمينها. فالحفاظ على الذاكرة لا يكون بقرارات مكتبية، بل بإرادة وطنية تعتبر التراث ثروة لا تقل قيمة عن النفط أو المعادن.
إن ما يحدث في جبل بوايدو اليوم ليس مجرد حادث عرضي، بل جرس إنذارٍ مؤلم يدعونا لإعادة التفكير في علاقتنا بتاريخنا. فالأمم التي تهدم ذاكرتها تفقد مستقبلها، والمجتمعات التي لا تصون أثر أجدادها، تُسلم حاضرها إلى النسيان.
جبل بوايدو لم يعد مجرد موقع أثري، بل قضية ضمير وكرامة وطنية، تختبر مدى قدرتنا على حماية ما تبقّى من جذورنا الإنسانية قبل أن تُمحى تمامًا من الوجود.
📌 المصدر:
– تصريحات النائبة البرلمانية حنان فطراس، الفريق الاشتراكي المعارض، مجلس النواب المغربي.
– معطيات ميدانية من جماعة تغجيجت، إقليم كلميم