“محمد مغني.. صوت الجبل الذي غنّى للحياة والمقاومة”

0 1٬111

بقلم: محمد النوري – جريدة أولى-نيوز.

من بين الأصوات التي حفرت حضورها في الذاكرة الفنية المغربية، يبرز اسم الفنان الأمازيغي محمد مغني، ابن مدينة خنيفرة، الذي حمل منذ خمسينيات القرن الماضي همّ الهوية والثقافة الأمازيغية، ليصبح واحداً من أبرز رموز الأغنية الأصيلة في الأطلس المتوسط. مغني لم يكن مجرد فنانٍ، بل كان ذاكرة شعبٍ وصوت جبالٍ ظلّت لعقود تبحث عن من يروي حكاياتها بصدقٍ ودفءٍ وإيمانٍ بالإنسان.

في زمنٍ كانت فيه الأغنية الأمازيغية تبحث عن ملامحها الخاصة وسط ضجيج الأنماط التجارية، جاء محمد مغني في أواخر الستينيات ليمنحها ملمسها الشعبي وروحها الصادقة. بصوته العميق وإيقاع “الوترة” المميز، استطاع أن ينسج نغماً يجمع بين الحزن والعزة، بين الحب والحنين، وأن يحمّل أغانيه رسائل اجتماعية وإنسانية صادقة.

من أبرز أعماله التي لا تزال تتردد في الذاكرة أغنية «عدّاني عدّاني»، التي لامست وجدان الناس بحديثها عن الغدر الإنساني، وأغنية «أزنييد أيمانو تابرات» التي اختزلت الحنين والوفاء في كلماتٍ شفافة وأداءٍ يحمل عمق العاطفة الجبلية، ثم أغنية «ماتّا لعقل ن غوري يلان» التي جسّدت فلسفة المقاومة اليومية للإنسان الأمازيغي في وجه الفقر والتهميش.

لكنّ مسيرة محمد مغني لم تكن سهلة، فقد واجه صعوباتٍ قاسية وتهميشاً ممنهجاً من مؤسساتٍ فنيةٍ لم تمنح الأغنية الأمازيغية مكانتها المستحقة. كما عاش تجربة الاعتقال في فترة السبعينيات بسبب جرأة كلماته التي قرأها البعض آنذاك كنوعٍ من النقد السياسي غير المباشر، ليخرج بعدها أكثر إصراراً على المضيّ في طريقه، مؤمناً بأن الفن الحقيقي هو موقف قبل أن يكون مهنة.

بقي مغني قريباً من الناس، يشاركهم أفراحهم ومواسمهم الشعبية، بعيداً عن بهرجة الإعلام وشهرة المسارح. لم يساوم يوماً على لغته ولا على رسالته، فظلّ فناناً يعيش بين البسطاء ويغنّي لهم وعنهم، واضعاً فنه في خدمة الذاكرة الجماعية لا في خدمة السوق.

اليوم، وبعد مرور عقودٍ على انطلاق مسيرته، ما زال صوته يُسمع في ليالي الأطلس، شاهداً على جيلٍ حمل الفن كرسالة للكرامة والحرية، وجعل من الأغنية الأمازيغية وسيلة لتوثيق نبض الأرض ووجدان الإنسان.
إنّ محمد مغني لم يكن فقط فناناً يغنّي، بل كان راويةً للألم والأمل، وعلَماً من أعلام الأصالة المغربية التي ترفض أن تُنسى مهما مرّ الزمن.

المصدر: جريدة أولا-نيوز – قسم الثقافة والفنون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.