“استدعاء في العلن.. بين حق المواطن في التعبير وهيبة المؤسسات”

0 234

إعداد.. محمد النوري أولى-نيوز.

في مشهد يختزل توتراً متصاعداً بين المواطن والسلطة، يظهر رجل وهو يوثق لحظة حضوره أمام عنصر من القوات العمومية، مرفقاً بصورة لوثيقة استدعاء رسمية صادرة في إطار مسطرة قضائية. واقعة تبدو في ظاهرها إجراءً إدارياً عادياً، لكنها في عمقها تعيد طرح أسئلة حساسة حول حدود حرية التعبير، وطبيعة العلاقة بين الأفراد والمؤسسات، وطريقة تدبير النزاعات ذات الطابع الرأي أو الاحتجاجي.

يشير الإستدعاء من أجل البحث في قضية الشاب،كإجراء قانوني يدخل ضمن صلاحيات الضابطة القضائية. غير أن نشر الواقعة على منصات التواصل الاجتماعي، وتوثيقها بشكل مباشر، يعكس من جهة شعوراً بعدم الاطمئنان لدى المعني بالأمر، ومن جهة أخرى توجهاً متزايداً لدى المواطنين نحو “المرافعة الرقمية” بحثاً عن الدعم أو الحماية الرمزية عبر الرأي العام.

اللافت في مثل هذه الحالات ليس فقط مضمون الاستدعاء، بل السياق الذي يتم فيه تداوله. فتصوير عناصر الأمن وتوثيق ذلك ورفض لمساعدة اجتماعية وبثها على نطاق واسع يعكس تراجع الثقة في المساطر التقليدية، مقابل تصاعد الاعتماد على الضغط الإعلامي والشعبي. وهو ما يطرح تحدياً مزدوجاً.. كيف يمكن حماية حق المواطن في التعبير والتظلم؟ وكيف يمكن في المقابل صون سرية الأبحاث وهيبة المؤسسات؟

في المقابل، يرى متابعون أن اللجوء إلى التوثيق العلني غالباً ما يكون نتيجة تراكمات مرتبطة بالإحساس بعدم الإنصاف أو الخوف من التعسف، حتى وإن لم تثبت هذه المخاوف قانونياً. وهنا تتحول وسائل التواصل من مجرد فضاء للتعبير إلى أداة دفاع استباقي.

من الناحية القانونية، يبقى الاستدعاء إجراءً عادياً لا يعني الإدانة، بل يندرج ضمن مرحلة البحث التمهيدي التي تضمن بدورها حقوقاً أساسية، من بينها حق المؤازرة القانونية وحق الصمت. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في الأثر الاجتماعي والنفسي لمثل هذه الإجراءات، خاصة عندما تتعلق بأشخاص ناشطين في قضايا محلية أو ذات بعد احتجاجي.

كما تثير الواقعة تساؤلات حول منهجية التواصل المؤسساتي، ومدى الحاجة إلى مقاربات أكثر انفتاحاً وطمأنة للرأي العام، خصوصاً في القضايا التي سرعان ما تتحول إلى مادة للنقاش الرقمي، حيث تختلط المعطيات القانونية بالانطباعات والانفعالات.

بين كاميرا المواطن وختم الإدارة، تتجسد فجوة ثقة تحتاج إلى معالجة عميقة تتجاوز الجانب الإجرائي نحو تعزيز الشفافية، وضمان التوازن بين سلطة القانون وحقوق الأفراد. فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تطبق القانون، بل التي تقنع مواطنيها بعدالته، وتطمئنهم إلى أن المساطر ليست أداة للضغط، بل ضمانة للإنصاف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.