“التعيين بعيداً عن «كولوار الدار»… حين يصبح الابتعاد مدرسة أخرى للحياة”

0 30

مجتمع-أولى نيوز.

يستعد نحو 14 ألف إطار تربوي جديد للالتحاق بمقرات عملهم، من بينهم 56 أستاذاً وأستاذة لمادة الفلسفة من خريجي مركز التكوين بالقنيطرة. وبقدر ما يشكل هذا التعيين لحظة مهنية منتظرة بعد سنوات من التكوين والانتظار، فإنه أطلق، في المقابل، موجة من التذمر بسبب بُعد عدد من التعيينات عن مدن الأصل ومناطق السكن العائلي.

المسألة مفهومة من زاوية إنسانية؛ فمن الطبيعي أن يتمنى الإنسان أن يعمل قريباً من أسرته، وأن يتجنب تكاليف الكراء والتنقل والغربة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الحق المشروع في التعبير عن الصعوبة إلى اعتقاد بأن الوظيفة العمومية ينبغي أن تُفصَّل على مقاس المدينة التي وُلد فيها الموظف، أو الحي الذي ترعرع فيه، أو حتى المسافة الفاصلة بين غرفة نومه ومطبخ والدته.

هنا تحديداً يصبح النقاش أكبر من مجرد حركة انتقال أو تعيين.

فالأستاذ، في نهاية المطاف، ليس موظفاً صُمم ليظل داخل دائرة جغرافية مغلقة. إنه رجل أو امرأة اختار مهنة تقوم، في جوهرها، على الانتقال بالمعرفة إلى حيث توجد الحاجة إليها. والمدرسة العمومية ليست امتداداً طبيعياً لصالون الأسرة، ولا ينبغي أن تتحول الوظيفة إلى امتياز جغرافي يسمح لبعض الموظفين بالبقاء دائماً في «منطقة الراحة».

قد يكون التعيين في منطقة نائية مرهقاً، وقد يكون السكن مكلفاً، وقد تكون المسافة قاسية، وقد يجد الموظف نفسه أمام مجتمع جديد ولهجة جديدة وعادات مختلفة وإيقاع حياة لم يعتده. وهذه كلها صعوبات حقيقية لا ينبغي السخرية منها أو إنكارها. لكن ثمة فرقاً كبيراً بين الاعتراف بصعوبة التجربة وبين التعامل معها باعتبارها كارثة مهنية.

بل إن التجربة المهنية نفسها تقول شيئاً آخر.

كثير من أفضل الأطر التي يمكن أن يلتقي بها الإنسان في قطاع التعليم هم أولئك الذين اضطرتهم ظروف التعيين إلى مغادرة مدنهم، والاحتكاك بمناطق لم تكن ضمن خرائطهم الشخصية، والعيش بعيداً عن الأسرة، وتدبير أجورهم بأنفسهم، والبحث عن السكن، وإعداد الطعام، والتعامل مع المواصلات، ومواجهة تفاصيل الحياة اليومية دون «شبكة الإنقاذ» العائلية الجاهزة.

هناك، بعيداً عن دفء البيت، تبدأ مدرسة أخرى لا توجد في أي مركز للتكوين.

أن تستيقظ صباحاً ولا تجد والدتك قد أعدت الفطور، وأن تضطر إلى غسل ملابسك بنفسك، وأن تبحث عن غرفة أو شقة، وأن تدبر مصاريف الشهر، وأن تنتظر وسيلة نقل في منطقة نائية، وأن تكتشف أن أقرب وكالة بنكية أو مستشفى أو متجر يبعد عشرات الكيلومترات؛ كل هذه التفاصيل تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تصنع شخصية مهنية أكثر استقلالاً، وتمنح الموظف فهماً مختلفاً لمعنى المسؤولية.

حتى الأستاذ نفسه قد يكتشف، بعد سنوات من التدريس في منطقة بعيدة، أن العالم أكبر بكثير من مدينته الأصلية، وأن تلاميذه ليسوا مجرد أسماء في لوائح الأقسام، بل أبناء بيئات اجتماعية وثقافية مختلفة تحتاج إلى من يفهمها قبل أن يطالبها بأن تفهمه.

وهنا تكمن المفارقة.

كيف يمكن لأستاذ الفلسفة أن يدرّس مفاهيم من قبيل الحرية والاختلاف والغير والعالم، بينما يظل هو نفسه أسير حدود جغرافية ضيقة لا يريد مغادرتها؟

كيف يمكن لمن يشرح لتلاميذه قيمة التجربة الإنسانية أن ينظر إلى تجربة العيش بعيداً عن الأسرة باعتبارها عقوبة؟

الفلسفة، قبل أن تكون مقررات ومجزوءات ومفاهيم، هي استعداد لمغادرة المسلمات. والتعيين في منطقة جديدة قد يكون، بالنسبة إلى أستاذ شاب، درساً عملياً في ذلك الخروج من المألوف.

طبعاً، لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى تحويل المعاناة إلى فضيلة، ولا إلى تبرير أي اختلال في منظومة التعيين. فمن حق الأطر أن تطالب بظروف عمل عادلة، وسكن لائق، وتعويضات مناسبة، ونقل آمن، ومسارات واضحة للحركة والانتقال. ومن حقها أيضاً أن تنتقد أي توزيع غير منصف للموارد البشرية.

لكن من الضروري الفصل بين نقد سياسة التعيين وبين رفض مبدأ التعيين خارج المدينة الأصلية.

الأول نقاش مؤسساتي مشروع؛ أما الثاني فقد يتحول، من حيث لا ندري، إلى ثقافة وظيفية خطيرة تجعل القرب من الأسرة معياراً للرضا عن العمل، وتضع المصلحة الشخصية فوق الحاجة الفعلية للمرفق العمومي.

والحقيقة أن المدرسة العمومية لا تحتاج فقط إلى أستاذ يعرف مادته؛ تحتاج إلى أستاذ يعرف كيف يعيش الواقع الذي يدرّس داخله.

ربما لهذا السبب تكون سنوات العمل الأولى خارج المدينة الأصلية مفيدة بشكل خاص. إنها تجبر الشاب على بناء استقلاليته، وتوسّع علاقاته، وتجعله أكثر قدرة على تدبير الأزمات، وتكسر لديه كثيراً من الأوهام التي تصنعها الحياة داخل بيئة اجتماعية مغلقة.

ثم إن تجربة الاغتراب المهني لا تعني بالضرورة حكماً أبدياً. يمكن للموظف، بعد سنوات، أن يطلب الانتقال وفق المساطر القانونية، وأن يعود إلى مدينته إذا سمحت الحركة بذلك. لكن العودة، حين تأتي بعد تجربة حقيقية في مناطق مختلفة، تكون عودة شخص آخر؛ أكثر خبرة، وأكثر استقلالاً، وربما أكثر فهماً لمعنى أن تكون الدولة حاضرة في قرية بعيدة كما هي حاضرة في مركز المدينة.

أما أن يبدأ الموظف مساره وهو يبحث منذ اليوم الأول عن أقرب باب للعودة إلى بيت العائلة، فذلك يطرح سؤالاً أعمق من سؤال التعيين.

إنه سؤال حول معنى الوظيفة العمومية نفسها.

هل نريد موظفاً يبحث عن مكان مريح له، أم موظفاً يبحث عن المكان الذي يحتاج إليه؟

هل نريد أستاذاً يعتبر القسم امتداداً لراحته الشخصية، أم مربياً مستعداً للذهاب إلى حيث يوجد تلميذ ينتظر من يعلمه؟

وبالطبع، لا يجوز إطلاق أحكام عامة على آلاف الأطر. فالعازب ليس بالضرورة مدللاً، والمتزوج ليس بالضرورة أكثر مسؤولية، ومن بقي في مدينته ليس بالضرورة أقل كفاءة ممن ذهب إلى الجبل. كما أن ظروف الناس تختلف، وبعض الحالات الاجتماعية والصحية والعائلية تستوجب فعلاً مراعاة خاصة.

لكن حين نتحدث عن المبدأ، فإن الرسالة ينبغي أن تكون واضحة: الوظيفة العمومية ليست امتداداً جغرافياً للحياة العائلية.

ومن يريد أن يصبح أستاذاً، خصوصاً في بداية مساره، عليه أن يكون مستعداً لاكتشاف المغرب خارج مدينته، وخارج أسرته، وخارج دائرة العلاقات التي يعرفها منذ الطفولة.

فربما يكون الجبل، في بعض الأحيان، أكثر فائدة من المدينة.

وربما يكون انتظار الحافلة في قرية بعيدة درساً في الصبر أكثر قيمة من عشرات المحاضرات.

وربما يكون أول طاجين يحترق لأن صاحبه أعده لأول مرة بنفسه، أكثر تأثيراً في بناء الاستقلالية من سنوات كاملة من العيش داخل البيت العائلي.

ليست المسألة إذن «عقوبة» اسمها التعيين البعيد.

قد تكون، إذا أحسن الإنسان استثمارها، أول حصة في مادة لا توجد في أي مقرر دراسي: كيف تصبح شخصاً مستقلاً قبل أن تصبح موظفاً مستقراً.

وهذا، بالنسبة إلى شاب في بداية مساره، قد يكون واحداً من أثمن الدروس التي يمكن أن تمنحها له الدولة، حتى وإن جاء في ظرف لم يختره بنفسه.
إعداد.. محمد النوري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.