“تنغير.. حين تنزل الأسماء الثقيلة إلى ميدان الاقتراع”
تنغير-أولى نيوز.
لم تكن تنغير اليوم مجرد محطة أخرى في رزنامة الحملة الانتخابية، على الأقل من حيث الرمزية السياسية التي حملها حضور فوزي لقجع وفاطمة الزهراء السعدي إلى جانب محمد أرهمي، وكيل اللائحة على مستوى الإقليم.


ففي الحسابات الانتخابية، لا تُقرأ الزيارات السياسية دائماً بعدد الكراسي التي تصطف في المكان، ولا بحجم الصور الملتقطة على هامش اللقاء، وإنما بما تحمله من رسائل، وبالجهة التي اختارت أن تبعث بها، وبالمجال الذي اختير لإيصالها.
وتنغير، بما تختزنه من تعقيدات اجتماعية وجغرافية وانتخابية، ليست دائرة يمكن اختزالها في تجمع انتخابي عابر. إنها مجال انتخابي تتقاطع فيه الاعتبارات المحلية مع الامتدادات الحزبية، وتتجاور فيه رهانات التنمية مع حسابات الثقة السياسية، فيما يبقى الناخب في نهاية المطاف هو صاحب الكلمة التي لا يمكن لأي تعبئة، مهما بلغت، أن تصادرها.
من هذه الزاوية، يكتسي حضور لقجع والسعدي إلى جانب محمد أرهمي دلالة تتجاوز الشكل البروتوكولي للزيارة؛ فهو يضع الحملة الانتخابية في مستوى أكثر وضوحاً من حيث الرسالة السياسية، ويمنح مرشح الحزب دفعة رمزية وميدانية في سباق يبدو أن سخونته تتصاعد مع اقتراب موعد الاقتراع.
ولعل اللافت في المشهد ليس فقط حضور شخصيتين وطنيتين، وإنما انتقال الخطاب السياسي من مستوى المركز إلى المجال المحلي، حيث تختبر الأحزاب قدرتها على ترجمة حضورها الوطني إلى ثقة انتخابية داخل الدوائر التي تصنع فيها صناديق الاقتراع الفارق الحقيقي.
ذلك أن السياسة، في لحظتها الانتخابية، لا تُقاس فقط بمن يملك القدرة على الحشد، وإنما بمن يستطيع إقناع المواطن بأن صوته سيكون جزءاً من مشروع واضح، لا مجرد حلقة في سلسلة من التعبئات الموسمية.
وفي تنغير تحديداً، تبدو المعركة أكثر تعقيداً من مجرد منافسة بين أسماء؛ إنها مواجهة بين صور متعددة للتمثيل السياسي، وبين منطقين في قراءة المستقبل: منطق يراهن على قوة التنظيم والحضور والامتداد الوطني، ومنطق آخر يبحث عن شرعية محلية تنبع من علاقة المرشح بالناس وبانتظاراتهم اليومية.
ولهذا فإن نزول شخصيات وطنية إلى الميدان لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره شهادة مسبقة على قوة أي لائحة، كما أن حجم الحضور في تجمع انتخابي لا يمكن اعتباره ترجمة آلية لما سيحدث داخل المعازل الانتخابية.
فالانتخابات لها منطقها الخاص.
قد تصفق الجموع في الساحات، لكن التصويت يتم في صمت.
وقد تكون الصورة قوية، لكن الورقة الانتخابية لا تعرف الصور.
وقد يكون الخطاب مؤثراً، لكن الصندوق لا يحتفظ بالخطب؛ إنه يحتفظ فقط بالاختيار الأخير للناخب.
ومن هنا تحديداً تكمن أهمية محطة تنغير: ليس لأنها أعلنت نتيجة، فالنتيجة لم تُعلن بعد، وإنما لأنها كشفت عن مستوى الرهان الذي تضعه بعض القوى السياسية على الإقليم، وعن محاولة بناء معادلة انتخابية تجمع بين الحضور المحلي والدعم الوطني.
وبالنسبة إلى محمد أرهمي، فإن هذه المحطة تضع حملته أمام اختبار مضاعف: تحويل الزخم السياسي الذي رافق اللقاء إلى تواصل فعلي مع الناخبين، وتحويل الدعم الرمزي إلى ثقة انتخابية، ثم تحويل الثقة إلى أصوات يوم الاقتراع.
أما خصومه، فالمشهد يحمل إليهم رسالة موازية: السباق لن يكون هادئاً، وأن كل طرف مطالب الآن بإعادة ترتيب أوراقه، لا سيما في إقليم تتعدد فيه الولاءات والحساسيات والحسابات المحلية.
وبين هذا الطرف وذاك، يبقى المواطن التنغيري خارج كل الحسابات الجاهزة.
هو وحده من يستطيع أن يمنح الحضور السياسي قيمته الانتخابية، أو أن يجعله مجرد محطة جميلة في ألبوم الحملة.
لذلك، فإن ما جرى اليوم في تنغير يمكن قراءته كـإشارة سياسية قوية، وليس نتيجة انتخابية.
والفارق بين الإشارة والنتيجة هو بالضبط ذلك الصندوق الصغير الذي لا يجامل أحداً.
هناك، بعيداً عن المنصة والأضواء والضيوف والأعلام، ستبدأ القراءة الحقيقية للمشهد.
وهناك فقط، سيعرف الجميع ما إذا كان زخم اليوم قد تحول إلى قوة انتخابية، أم بقي مجرد فصل آخر من فصول موسم طويل اسمه الانتخابات.