“حزب العدالة والتنمية بتنغير.. بين أخطاء الماضي ورهان «الأقل ضرراً» في انتخابات 23 شتنبر”

0 42

إنتخابات-أولى نيوز.

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، تعود الأحزاب السياسية إلى واجهة المشهد الانتخابي بخطابات وبرامج ووجوه جديدة، فيما يجد الناخب نفسه أمام امتحان المقارنة بين التجارب والوعود، وليس أمام مجرد اختيار لون أو رمز انتخابي. وفي هذا السياق، يقدم حزب العدالة والتنمية نفسه من جديد كأحد الخيارات المطروحة أمام الناخبين، وهو خيار يمكن أن ينظر إليه البعض باعتباره، بكل ما تحمله العبارة من معنى سياسي قابل للنقاش، «أقل ضرراً» مقارنة ببدائل أخرى، دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن الحزب معصوم من الأخطاء أو أن تجربته السابقة كانت خالية من الاختلالات.

فالعدالة والتنمية سبق له أن تحمل مسؤولية تدبير الشأن الحكومي، وهو ما يجعل تجربته قابلة للتقييم والمحاسبة بدل أن تبقى مجرد وعود انتخابية. ولعل أبرز الملفات التي ما تزال حاضرة في الذاكرة السياسية والاجتماعية هو ملف صندوق المقاصة والإصلاحات التي قادتها حكومة عبد الإله ابن كيران، والتي أثارت ولا تزال نقاشاً واسعاً حول الطريقة التي تم بها تدبير الانتقال من نظام الدعم، وحول انعكاساته على القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً الفئات المتوسطة والهشة. ومن المشروع سياسياً أن يُقال إن الحكومة أخطأت في جوانب من تدبير هذا الملف، كما أن من المشروع في المقابل مناقشة المبررات الاقتصادية التي قُدمت آنذاك للإصلاح، بعيداً عن الاختزال والشعارات.

غير أن السياسة لا ينبغي أن تتحول إلى محكمة دائمة للماضي، كما لا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى فرصة لمحو الماضي بجرّة قلم. التجربة الحكومية تمنح الناخب إمكانية المقارنة، والخطأ السياسي يصبح ذا قيمة فقط عندما يتحول إلى درس ومراجعة وتصحيح. ولذلك فإن السؤال المطروح اليوم على العدالة والتنمية ليس فقط ماذا فعل عندما كان في الحكومة، وإنما ماذا استوعب من أخطائه، وماذا سيقدم إذا عاد إلى موقع المسؤولية؟

وفي دائرة تنغير، يخوض الحزب غمار الاستحقاق التشريعي بلائحة تضم، وفق المعطيات الواردة في الملصق الانتخابي، عبد الواحد صديقي وكيلاً للائحة، إلى جانب أحمد المستوري والحسن سلمي، مع تقديم مسارات مهنية وتكوينية للمرشحين. وهي محاولة لتقديم وجوه لها حضور مهني وتكويني، غير أن القيمة الحقيقية لأي ترشيح لا تختبرها الصورة الانتخابية ولا السيرة الذاتية وحدها، وإنما تختبرها القدرة على الدفاع عن قضايا المنطقة، وفهم تعقيداتها الاجتماعية والاقتصادية، وتحويل انتظارات السكان إلى ملفات ومقترحات داخل المؤسسة التشريعية.

وفي المقابل، تدخل هذه الانتخابات في سياق قانوني أكثر تشدداً تجاه بعض الممارسات الانتخابية، خصوصاً في الفضاء الرقمي. فالمشرع لم يعد ينظر إلى المنشور الانتخابي الكاذب أو المحتوى المفبرك أو بعض أشكال التشهير باعتبارها مجرد «حرب انتخابية» يمكن تجاوزها، وإنما رتب عليها مسؤوليات وعقوبات وفق الحالات والشروط التي يحددها القانون. وهذا يعني أن زمن الانتخابات التي كان فيها البعض يعتقد أن شاشة الهاتف تمنحه حصانة كاملة قد انتهى؛ فالكلمة الانتخابية أصبحت مسؤولية، والصورة مسؤولية، والفيديو مسؤولية، والمعلومة مسؤولية.

وتزداد أهمية هذا المعطى مع انتشار الأخبار الزائفة والإشاعات والمحتويات المفبركة التي يمكن أن تستهدف مرشحاً أو ناخباً أو نزاهة العملية الانتخابية. ولذلك فإن المنافسة السياسية الحقيقية يفترض أن تقوم على البرامج والوقائع والحجج، لا على اختلاق المعطيات أو التشهير أو محاولة توجيه إرادة الناخبين بوسائل غير مشروعة. وفي المقابل، لا ينبغي الخلط بين ذلك وبين النقد الصحفي أو السياسي المشروع؛ فانتقاد المرشحين ومساءلتهم ومناقشة حصيلتهم جزء أساسي من الحياة الديمقراطية، شريطة احترام القانون والتحقق من المعطيات وعدم تحويل المنابر إلى مصانع للشائعات.

ومن هنا، فإن الناخب في تنغير، كما في باقي الدوائر الانتخابية، لا يحتاج إلى حملة انتخابية تقدم له صورة مثالية عن أي حزب، بل يحتاج إلى خطاب صريح يعترف بما تحقق وما لم يتحقق، وبما كان صائباً وما كان خاطئاً. فالعدالة والتنمية، إذا أراد استعادة ثقة جزء من الناخبين، لا يمكنه أن يطلب منهم نسيان أخطاء مرحلة ابن كيران، وفي مقدمتها الطريقة التي دُبر بها ملف المقاصة؛ كما لا يمكن لخصومه أن يختزلوا كامل تجربته في قرار واحد أو مجموعة قرارات، وكأن بقية التجربة السياسية لا قيمة لها.

المعيار في النهاية هو المقارنة: مقارنة الأشخاص، والبرامج، والتجارب، والقدرة على الإنجاز، ونظافة الممارسة السياسية، ومدى الاستعداد لتحمل المسؤولية والمساءلة. وفي هذا الميزان تحديداً قد يجد بعض الناخبين أن حزب العدالة والتنمية، رغم أخطاء تجربته الحكومية، يبقى بالنسبة إليهم خياراً أقل مخاطرة أو أقل ضرراً من خيارات أخرى، بينما قد يرى ناخبون آخرون العكس تماماً. وهذا اختلاف مشروع ما دام صندوق الاقتراع هو الحكم، وما دامت المنافسة تجري في إطار القانون.

أما الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى جميع المتنافسين فهي أن المواطن المغربي لم يعد يبحث فقط عمن يجيد الخطابة، وإنما عمن يستطيع أن يبرهن بالأرقام والوقائع على ما أنجزه، وأن يشرح بوضوح ما أخفق فيه، وأن يقدم برنامجاً قابلاً للتنفيذ لا مجرد عبارات انتخابية موسمية.

وفي انتخابات 23 شتنبر 2026، لن يكون الاختبار الحقيقي هو عدد المنشورات التي ستملأ مواقع التواصل الاجتماعي، ولا حجم الصور والملصقات التي ستغطي الشوارع، وإنما قدرة كل حزب ومرشح على إقناع المواطن بأنه يستحق صوته. فالناخب لا يمنح صوته لمن يَعِدُه بمدينة فاضلة، وإنما لمن يعتقد أنه يستطيع أن يجعل الواقع أقل سوءاً وأكثر عدلاً وكرامة.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون شعار «الأقل ضرراً» مدخلاً لنقاش سياسي ناضج، لا دعاية عمياء ولا حكماً مسبقاً؛ لأن الديمقراطية لا تبحث عن الملائكة في السياسة، وإنما تبحث عن مسؤولين يمكن محاسبتهم عندما يصيبون، وعندما يخطئون، وعندما يوفون بوعودهم أو يخلفونها. وفي النهاية، يبقى القرار للمواطن، ويبقى الصندوق وحده قادراً على تحويل كل هذه الشعارات إلى حقيقة انتخابية.
إعداد.. محمد النوري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.