“عبد الرحمن اليوسفي.. حين كان القرب من الملك لا يعني القرب من المال.”
سياسة-أولى نيوز.
فاش تكون رئيساً للحكومة، وتكون قريباً من دوائر القرار، وتعيش حياة بسيطة، ثم تغادر المسؤولية من دون أن تتحول السياسة عندك إلى مشروع شخصي للثراء، فهنا لا يعود الحديث عن شقة أو سيارة أو مظاهر عيش؛ بل يصبح الحديث عن الرجل الذي كان وراء المنصب.
عبد الرحمن اليوسفي يمثل، في الذاكرة السياسية المغربية، نموذجاً يستحق أن يُستحضر كلما أصبح النقاش حول المسؤولية العمومية نقاشاً حول الامتيازات والمصالح والمنافع.
قد نختلف مع اليوسفي في السياسة، وقد نناقش تجربته وقراراته وحصيلة حكومة التناوب، فهذا من صميم الاختلاف الديمقراطي. لكن الاختلاف السياسي لا يلغي سؤال الأخلاق: ماذا يفعل الإنسان عندما يصبح قريباً من مركز السلطة؟
فالاقتراب من الملك والقصر لا يعني بالضرورة الاقتراب من المال، كما أن امتلاك النفوذ لا يعني امتلاك الدولة، والوصول إلى أعلى المناصب لا يمنح صاحبه حقاً في تحويل المسؤولية إلى غنيمة.
وهنا بالضبط تكمن قيمة بعض رجال السياسة الذين كانوا يعرفون أن أقصر طريق إلى احترام الناس ليس جمع الامتيازات، وإنما القدرة على مغادرة المنصب باليد نفسها التي دخلت به.
لم يكن اليوسفي رئيساً للحكومة فقط؛ كان أيضاً رجلاً يحمل تاريخاً طويلاً من النضال السياسي، ولذلك فإن قيمة تجربته لا تختزل في كرسي حكومي أو في صورة عابرة من صور الماضي، وإنما في سؤال أكبر: هل يمكن للسياسي أن يكون قريباً جداً من السلطة، ومع ذلك يبقى بعيداً جداً عن إغراءاتها؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي.
واليوم، حين ننظر إلى المشهد السياسي ونرى كيف أصبحت المناصب والنفوذ والامتيازات موضوعاً دائماً للنقاش العمومي، يحق للمواطن أن يسأل: أين اختفت تلك النخوة التي كانت تجعل بعض رجال الدولة يعتبرون نظافة اليد جزءاً من شرف المسؤولية؟
أين أولئك الذين كان بإمكانهم أن يطلبوا الكثير، لكنهم لم يطلبوا إلا ما يعتقدون أنه حقهم؟
أين الذين كانوا يعرفون أن القرب من الملك تكليف قبل أن يكون تشريفاً، وأن خدمة الدولة لا تعني امتلاكها، وأن المال العام ليس مكافأة على الولاء؟
الرجال لا تُقاس فقط بما أخذوه حين كانوا في السلطة، وإنما بما تركوه حين غادروها.
ولهذا، فإن استحضار عبد الرحمن اليوسفي اليوم ليس بحثاً عن زمن مثالي لم يكن موجوداً، ولا دعوة إلى تقديس الأشخاص؛ بل هو تذكير بسيط بأن السياسة، مهما تغيرت قواعدها، تحتاج دائماً إلى رجال يعرفون أن المنصب عابر، وأن السلطة مؤقتة، وأن السيرة النظيفة هي المنصب الوحيد الذي لا تنتهي ولايته.
إعداد.. محمد النوري.