“مريرت ليست باريس.. حين يصبح التوقيت المدرسي سؤالاً في العدالة”

0 52

مجتمع-أولى نيوز.

قد تجتمع الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وقد ينعقد مجلس الشيوخ الأمريكي، وقد تلتقي مجموعة «بريكس» ودول عدم الانحياز، وقد تتكاثر مؤتمرات القمم والاجتماعات والبيانات والبلاغات، لكن كل تلك العناوين الكبرى لن تقدم شيئاً لتلميذ في الجنوب الشرقي إذا عجزنا عن الإجابة عن سؤال صغير في حجمه، كبير في دلالته: هل صُمّم الزمن المدرسي فعلاً بما يناسب الإنسان والمكان والمناخ؟

هذه ليست معركة ضد المدرسة، ولا ضد الأستاذ، ولا ضد الإدارة التربوية، وليست دعوة إلى التسيب أو تقليص زمن التعلم، وإنما هي دعوة صريحة إلى شيء أصبحنا نفتقده في كثير من تفاصيل تدبير الشأن العام: استخدام العقل.

فحين نتحدث عن مناطق مثل محاميد الغزلان وغيرها من المجالات الصحراوية وشبه الصحراوية في الجنوب الشرقي، فإننا نتحدث عن بيئة جغرافية ومناخية لها خصوصياتها. ومن العبث أن نتعامل مع الزمن المدرسي وكأنه قالب جامد يمكن نسخه ولصقه بالطريقة نفسها في كل مكان، من مدينة ذات مناخ معتدل إلى منطقة قد تصبح فيها الحرارة عاملاً مؤثراً في الحياة اليومية للسكان.

السؤال الذي يجب أن يهمنا ليس كم ساعة أمضى التلميذ داخل المؤسسة، وإنما ماذا استفاد خلال تلك الساعات؟

فأن يكون التلميذ جالساً في مقعده من الساعة الواحدة بعد الزوال إلى الخامسة أو السادسة مساءً لا يعني بالضرورة أن عقله ظل حاضراً بالدرجة نفسها طوال هذه الفترة. الجسد له طاقة، والعقل له قدرة محدودة على التركيز، والحرارة والإرهاق والجوع والمسافة والنقل كلها عوامل يمكن أن تؤثر في قدرة المتعلم على الاستيعاب.

وهنا تحديداً ينبغي أن نخرج من ثقافة الأرقام إلى ثقافة النتائج.

لا يكفي أن نقول إن التلميذ درس عدداً معيناً من الساعات. السؤال الأهم هو: هل كانت تلك الساعات منتجة؟ وهل كان توقيتها مناسباً؟ وهل كان التلميذ قادراً فعلاً على الفهم والاستيعاب والمشاركة؟

إذا كانت الإجابة تستدعي الدراسة الميدانية، فلنجرها.

ولماذا لا تقوم الجهات التربوية المختصة بمقارنة مؤشرات الحضور والتركيز والتحصيل خلال الفترات المختلفة من اليوم، مع أخذ الظروف المناخية بعين الاعتبار؟ ولماذا لا يُستمع إلى الأساتذة والأسر والتلاميذ ومديري المؤسسات في المناطق المعنية قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن استعمالات الزمن؟

هذه ليست بدعة.

بل إن المنظومات التعليمية الحديثة لا تنظر إلى الزمن المدرسي باعتباره مجرد ساعات ينبغي ملؤها، وإنما تربطه بجودة التعلم وبحاجات المتعلم وبالظروف المحيطة بالعملية التعليمية.

ومن هنا، فإن المطالبة بمراجعة توقيت الدراسة في الجنوب الشرقي لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها طلباً لامتياز أو استثناء، وإنما باعتبارها مطالبة بمبدأ بسيط: الإنصاف المجالي.

فالإنصاف لا يعني أن نعطي الجميع التوقيت نفسه مهما اختلفت الظروف؛ بل يعني أن نوفر للجميع الظروف التي تمنحهم فرصة متقاربة في التعلم.

وهذه نقطة جوهرية.

فهل من العدل أن نقيس تلميذ منطقة صحراوية أو شديدة الحرارة بالمعايير الزمنية نفسها التي قد تكون ملائمة لتلميذ يعيش في منطقة تختلف عنها مناخياً وجغرافياً؟ وهل يمكن تجاهل طبيعة المسافات التي يقطعها بعض التلاميذ، وظروف النقل المدرسي، ودرجة الحرارة، وطبيعة الحياة المحلية، ثم نتساءل بعد ذلك عن أسباب الإرهاق أو ضعف التركيز أو الغياب؟

إن المدرسة يجب أن تتكيف مع المجتمع الذي تخدمه، لا أن يُطلب دائماً من المجتمع أن يتكيف مع جدول إداري جامد.

وهنا لا بد من التأكيد على أن المقصود ليس إلغاء الحصص المسائية بالضرورة، ولا جعل المناخ شماعة لتعطيل الدراسة، وإنما إعادة توزيع الزمن بطريقة أكثر ذكاءً. يمكن تقديم المواد التي تتطلب تركيزاً ذهنياً أكبر إلى الفترات الأكثر ملاءمة، ويمكن دراسة إمكان تقليص الحضور خلال فترات الذروة المناخية في بعض المناطق، ويمكن اعتماد مرونة محلية مؤطرة دون المساس بالزمن التعلمي الإجمالي الذي تقرره المنظومة الوطنية.

لماذا لا نجرب؟

لماذا لا ندرس النموذج، ونقيس نتائجه، ثم نحكم عليه بالأرقام بدل الأحكام المسبقة؟

المشكلة في كثير من الأحيان ليست في غياب الحلول، وإنما في الخوف من طرح السؤال.

وحين يصبح السؤال حول توقيت الدراسة مرتبطاً بمصلحة الطفل، فإن الصمت لا يعود فضيلة.

إن تلميذ الجنوب الشرقي يستحق أن نتعامل معه باعتباره إنساناً يعيش في مجال له خصوصياته، لا مجرد رقم في منظومة وطنية. ومن حق أسرته أن تسأل: هل هذا التوقيت يخدم أبناءنا فعلاً؟ ومن حق الأستاذ أن يقول: ما الظروف التي تمكنني من تقديم درس ناجح؟ ومن حق المسؤول التربوي أن يبحث عن النموذج الأكثر نجاعة، لا عن النموذج الأسهل إدارياً.

محاميد الغزلان ليست باريس.

والجنوب الشرقي ليس نسخة من أوروبا.

والمغرب نفسه ليس مجالاً جغرافياً متجانساً حتى نتصرف وكأن المناخ والمسافات والظروف الاجتماعية لا وجود لها.

نحن بحاجة إلى مدرسة وطنية موحدة في حقوقها وأهدافها، نعم، ولكنها ذكية ومرنة في وسائلها.

فالوحدة لا تعني الجمود، والمساواة لا تعني التطابق، والانضباط لا يعني تجاهل الواقع.

لقد آن الأوان لأن نطرح هذا النقاش بعيداً عن الحسابات الإدارية الضيقة: متى يكون عقل الطفل أكثر استعداداً للتعلم؟

إذا كانت الإجابة العلمية تقول إن ساعات معينة أكثر ملاءمة، فلماذا لا نعيد ترتيبها؟

وإذا كانت المعطيات الميدانية تثبت أن توقيتاً معيناً يضر بجودة التعلم في مناطق بعينها، فلماذا لا نصححه؟

أما أن نستمر في التعامل مع الزمن المدرسي باعتباره أمراً مقدساً لا يجوز الاقتراب منه، فذلك يعني أننا جعلنا الساعة أهم من الإنسان.

والتعليم، في نهاية المطاف، لم يُخلق من أجل الساعة.

الساعة خُلقت لتنظيم التعليم، والتعليم وُجد من أجل الإنسان.

فهل آن الأوان فعلاً لأن نستخدم العقل، ونفتح ورشاً وطنياً حول ملاءمة الزمن المدرسي مع الجغرافيا والمناخ، خصوصاً في المناطق الصحراوية والجبلية والنائية؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح.

لا في مجلس الأمن، ولا في مجلس الشيوخ الأمريكي، ولا في «بريكس» ولا في عدم الانحياز…

بل في المكان الذي يبدأ منه كل شيء:

داخل القسم، أمام تلميذ ينتظر أن يتعلم، لا أن يكتفي بالحضور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.