“الطبيب المغربي.. بين وطنٍ يحتاجه وفرنسا التي تعرف قيمة كفاءته”

0 23

أطباء مغاربة- أولى نيوز.

ليست الهجرة الطبية المغربية مجرد انتقال أطباء من بلد إلى آخر بحثاً عن راتب أفضل أو ظروف عمل أكثر ملاءمة. خلف هذه الظاهرة توجد قضية أعمق تتعلق بقيمة الكفاءة المغربية، وبقدرة الدولة على الاحتفاظ بأطبائها، وبكيفية تعامل الدول المستقبِلة مع هذه الكفاءات التي أصبحت، في بعض الحالات، جزءاً لا غنى عنه من منظوماتها الصحية.

ولعل ما تكشفه اليوم وضعية الأطباء الحاصلين على شهادات خارج الاتحاد الأوروبي في فرنسا، والمعروفين اختصاراً بـ«PADHUE»، يقدم للطبيب المغربي فرصة للتأمل، لا من زاوية لوم من اختار الهجرة، وإنما من زاوية فهم قيمة ما يملكه من علم وخبرة.

فالأرقام الفرنسية الرسمية لا تترك مجالاً كبيراً للجدل.. الأطباء الحاصلون على شهادات خارج الاتحاد الأوروبي يمثلون 8.5 في المائة من مجموع الأطباء الذين يمارسون نشاطاً منتظماً في فرنسا، وقد ارتفع عددهم بنسبة 141 في المائة منذ سنة 2010. والأكثر دلالة أن مجلس الشيوخ الفرنسي يؤكد أنهم أصبحوا حاضرين بشكل خاص في المناطق التي تعاني نقصاً في الأطباء، وفي التخصصات التي تعاني ضغطاً وخصاصاً في الموارد البشرية. بل إن التقرير البرلماني الفرنسي يعتبرهم، في عدد من المناطق والتخصصات، حلقة لا غنى عنها لاستمرار المنظومة الصحية. (Sénat)

هذه الحقيقة ينبغي أن تُقرأ مغربياً بعين مفتوحة.

فالطبيب المغربي الذي يغادر بلده لا يحمل معه حقيبة سفر فقط؛ يحمل سنوات من التعليم والتكوين والتدريب، ويحمل استثماراً اجتماعياً وعائلياً ودولياً في تكوين كفاءة بشرية عالية التخصص. وعندما يصل هذا الطبيب إلى بلد آخر، قد يجد نفسه مضطراً إلى خوض مسار طويل لإثبات كفاءته، ومع ذلك تستمر المنظومة الصحية في الاستفادة من خدماته.

وهنا تكمن المفارقة.

إذا كانت الدولة التي تستقبله تحتاج إليه إلى درجة أن مستشفياتها ومناطقها الأقل جاذبية تعتمد على وجوده، فلماذا لا نطرح في المغرب السؤال نفسه بجدية: ماذا فعلنا حتى يصبح الطبيب المغربي أكثر استعداداً لبناء مستقبله خارج بلده؟

لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول الطبيب المهاجر إلى متهم.

ليس الطبيب المغربي مسؤولاً وحده عن هجرة الأطباء. وليس من المنطقي أن نطالبه بالبقاء بدافع الوطنية، بينما لا نوفر له دائماً الظروف المهنية والعلمية والاجتماعية التي تجعل البقاء قراراً عقلانياً ومستداماً.

الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى مطالبة الطبيب بالتضحية الدائمة.

فالطبيب أيضاً إنسان له أسرة وطموحات وحقوق مهنية، ومن حقه أن يبحث عن بيئة توفر له التقدير والاستقرار والتطور العلمي. ومن حقه كذلك أن يرفض أن يتحول إلى مجرد رقم داخل منظومة لا ترى فيه إلا موظفاً يسد خصاصاً.

لكن في المقابل، على الطبيب المغربي الحر أن يفهم شيئاً مهماً: الهجرة لا تعني بالضرورة أنك وصلت إلى نهاية الطريق، كما أن حصولك على فرصة عمل في أوروبا لا يعني بالضرورة أن الطرف الآخر يمنحك قيمتك كاملة منذ اليوم الأول.

والدليل موجود في التجربة الفرنسية نفسها.

فالأطباء الحاصلون على شهادات خارج الاتحاد الأوروبي يخضعون لمسارات خاصة للاعتراف بمؤهلاتهم، من بينها اختبارات التحقق من المعارف، ولا يكفي النجاح فيها دائماً للوصول مباشرة إلى ممارسة كاملة ومستقرة؛ إذ توجد أيضاً مراحل مرتبطة بتدعيم الكفاءات والمسار المهني. وقد أقر مجلس الشيوخ الفرنسي بأن النظام أصبح شديد التعقيد، إلى درجة وصفته إحدى مقرراته بأنه أصبح أشبه بـ«غابة إدارية». (Sénat)

والأكثر حساسية أن التقرير البرلماني الفرنسي يوثق وجود وضعيات تعاقدية مؤقتة، من بينها وضعية PACT، بأجر محدد في 31,204.37 يورو إجمالياً سنوياً، مع ترخيص مؤقت لممارسة المهنة في إطار محدد. (Sénat)

وفي مناقشات مجلس الشيوخ، طُرحت أيضاً معطيات عن أطباء يعملون أكثر من خمسين ساعة أسبوعياً، وعن استمرار وضعيات مهنية ومالية هشة بالنسبة إلى عدد من PADHUE. كما أشار نقاش برلماني إلى أن نحو 7,000 طبيب كانوا في وضعية هشة سنة 2023. (Sénat)

إذن، الرسالة للطبيب المغربي ليست: «اذهب إلى فرنسا وستعيش حياة أفضل».

وليست أيضاً… «ابقَ في المغرب لأنك مدين لوطنك».

الرسالة أكثر عمقاً..

اعرف قيمة نفسك قبل أن تعرف قيمة السوق الذي ستهاجر إليه.

إذا كنت طبيباً مغربياً وتفكر في الهجرة، فلا تنظر إلى الراتب وحده. اسأل عن الاعتراف بالشهادة، وعن وضعية التخصص، وعن العقد، وعن ساعات العمل، وعن شروط الترقي، وعن الحقوق الاجتماعية، وعن المسار نحو الاعتراف النهائي، وعن مدى ارتباط الوظيفة بحاجات منطقة معينة، وعن مصيرك إذا فشلت في مرحلة من مراحل المعادلة أو التقييم.

فالطبيب الذي يملك شهادة وخبرة لا ينبغي أن يدخل سوق العمل الدولي بعقلية الباحث عن أي فرصة؛ بل بعقلية صاحب كفاءة يعرف قيمتها ويعرف حقوقه.

وهنا أيضاً ينبغي أن نعيد النظر في مفهوم «المعادلة».

فكون الشهادة صادرة من خارج الاتحاد الأوروبي لا يعني تلقائياً أن الطبيب أقل كفاءة. النظام الفرنسي يضع إجراءات للتحقق من المعارف والكفاءات لأسباب تتعلق بالسلامة الصحية وتنظيم المهنة، وهذا أمر مفهوم. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإجراءات إلى مسار طويل وغير واضح يجعل الطبيب يعمل سنوات وهو ينتظر تسوية وضعيته.

وهذا بالضبط ما دفع المؤسسة التشريعية الفرنسية نفسها إلى اقتراح إصلاحات، من بينها جعل المسار أكثر وضوحاً، وتوسيع بعض الآليات الداخلية، وإطالة المدة القصوى لبعض العقود المؤقتة حتى يتمكن الطبيب من الاستعداد للاختبارات في ظروف أفضل. (Sénat)

وهنا يجب على الطبيب المغربي أن يفهم المفارقة الكبرى:

فرنسا تحتاج إلى الطبيب المغربي، لكنها لا تمنحه دائماً الاعتراف الكامل منذ البداية.

والمغرب يحتاج إلى الطبيب المغربي، لكنه لا ينجح دائماً في توفير الظروف التي تجعله يختار البقاء.

وبين حاجتين، تضيع أحياناً الكفاءة.

لذلك، لا ينبغي أن يكون النقاش حول الهجرة الطبية مجرد صراع بين «الوطن» و«المهاجر». القضية الحقيقية هي كيف نجعل الطبيب المغربي المستقل قادراً على اتخاذ قراره بحرية، دون أن يكون مضطراً إلى الهجرة بسبب ظروف مهنية طاردة، ودون أن يكون مضطراً إلى البقاء بسبب خطاب عاطفي عن الوطنية.

الدولة المغربية مطالبة بأن تسأل نفسها بوضوح ..لماذا لا نستطيع الاحتفاظ بجزء أكبر من هذه الكفاءات؟ وكيف يمكن أن نجعل المستشفيات العمومية، خصوصاً في المناطق النائية، فضاءً مهنياً جاذباً لا مجرد محطة إجبارية في مسار الطبيب؟

والطبيب المغربي بدوره مطالب بأن يسأل نفسه.. ماذا سأفعل بالكفاءة التي اكتسبتها؟ هل سأغلق الباب نهائياً خلفي؟ أم يمكن أن أجعل من وجودي في الخارج امتداداً لوطني، عبر التكوين والبحث العلمي والاستثمار ونقل الخبرة والمساهمة في تطوير المنظومة الصحية المغربية؟

فالهجرة ليست بالضرورة قطيعة.

يمكن للطبيب المغربي أن يعمل في باريس، أو ليون، أو بروكسيل، أو مونتريال، ويظل مرتبطاً بمستشفى في ورزازات أو تنغير أو الرشيدية من خلال مشروع علمي أو تكويني أو طبي عن بُعد أو مبادرة إنسانية منظمة.

وهنا ينبغي أن تنتقل الدولة أيضاً من منطق استنزاف الكفاءات إلى منطق إدارة الكفاءات المغربية في العالم.

فالطبيب المغربي في الخارج ليس خسارة وطنية بالضرورة؛ يصبح خسارة عندما تنقطع كل صلة بينه وبين بلده.

وفي المقابل، فإن الطبيب المغربي الذي اختار الهجرة لا ينبغي أن يسمح لأحد بأن يحوله إلى يد عاملة طبية رخيصة، مهما كان البلد الذي يعمل فيه.

أنت طبيب، ولست مجرد سدّ لثقب في منظومة تعاني الخصاص.

هذه ليست دعوة إلى رفض الهجرة، ولا إلى تمجيدها.

إنها دعوة إلى الوعي.

وعي الطبيب بحقه.

وعي الدولة بقيمة كفاءتها.

وعي المجتمع بأن تكوين الطبيب ليس سلعة مجانية.

ووعي الجميع بأن الصحة ليست قطاعاً عادياً يمكن تعويض خسائره بسهولة؛ فالطبيب يحتاج سنوات طويلة من التكوين، وعندما يغادر طبيب شاب، فإن خسارة الدولة لا تقتصر على مقعد شاغر في مستشفى، بل تمتد إلى سنوات من الاستثمار في الإنسان.

ولذلك، ربما حان الوقت لطرح السؤال بطريقة مختلفة.

بدلاً من أن نسأل الطبيب المغربي: «لماذا هاجرت؟»

علينا أن نسأل الدولة: «ماذا فعلت حتى يبقى؟»

وبدلاً من أن نقول للطبيب: «وطنك يحتاجك»، علينا أن نبني وطناً يستطيع أن يقول له:

«نحن نحتاجك، ونقدّر علمك، ونضمن لك كرامتك، ونمنحك مستقبلاً مهنياً يستحق أن تعود من أجله.»

أما الطبيب المغربي الحر، فليتذكر أن الحدود لا تحدد قيمة العلم.

ولا الجنسية تحدد قيمة الطبيب.

ولا الراتب وحده يحدد قيمة الإنسان.

لكن المعرفة، والكرامة، والاستقلال المهني، والقدرة على الدفاع عن الحقوق، هي التي تجعل الطبيب قادراً على أن يكون محترفاً في أي مكان، ومغربياً في كل مكان.

المغرب لا يحتاج إلى أطباء يخافون من الهجرة، بل يحتاج إلى دولة تجعل الطبيب حراً في الاختيار، لأن البقاء أصبح خياراً مهنياً محترماً، والهجرة أصبحت جسراً لا قطيعة.

وهذه، في النهاية، ليست قضية فرنسا وحدها.

إنها قضية المغرب أيضاً.

لأن السؤال الحقيقي ليس فقط.. لماذا تحتاج فرنسا الطبيب المغربي؟

السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا أكثر هو..

لماذا لا يزال المغرب عاجزاً عن جعل الطبيب المغربي يشعر بأن بلده يحتاجه بالقدر نفسه؟
إعداد.. محمد النوري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.