“سبعة مليارات ..في سيارة واجتماع في قبة البرلمان.. تصريحات دفاع الفايق تضع «الأحرار» أمام أسئلة ثقيلة”

0 56

متابعات-أولى نيوز.

لم تعد قضية رشيد الفايق مجرد ملف قضائي عادي أو خلاف سياسي عابر، بعدما خرج دفاع البرلماني السابق بمعطيات جديدة وثقيلة، نقل من خلالها إلى الرأي العام رواية موكله حول ما قال إنها وقائع ولقاءات واتصالات وأموال ارتبطت بمرحلة انتخابية وسياسية سابقة، واضعاً أسماء قيادية بارزة في حزب التجمع الوطني للأحرار ضمن دائرة الأسئلة التي لا يمكن أن تجد أجوبتها الحقيقية إلا في الوثائق والتحقيقات والخبرات القضائية.

محمد حاسي، محامي رشيد الفايق، تحدث عن معطيات لافتة، من بينها مبلغ مالي قال إن موكله تحدث عن مشاهدته داخل الصندوق الخلفي لسيارة من نوع «فولفو» رمادية اللون، وقدرت قيمته، وفق ما نُقل إليه، بنحو سبعة مليارات سنتيم، مع الإشارة إلى أن الفايق، بحسب رواية دفاعه، لم يقم بعدّ الأموال، وإنما شاهد رزم الأوراق النقدية وقيل له إن قيمتها تصل إلى هذا الرقم.

واللافت في هذه الرواية أن المحامي لم يكتف بالحديث عن المبلغ، بل أشار إلى وجود صورة للسيارة، تتضمن، بحسب قوله، نوعها ولونها ولوحة ترقيمها، كما تحدث عن إمكانية إخضاع المعطيات التي يتوفر عليها موكله للتحقق والخبرة. وهنا ينتقل الملف من مجرد رواية سياسية متداولة إلى سؤال أكثر دقة: هل توجد فعلاً مواد يمكن التحقق منها؟ وهل يمكن للخبرة أن تحدد زمان ومكان الصور والتسجيلات، وهوية الأشخاص والأصوات، وسياق الوقائع التي يتحدث عنها الدفاع؟

وفي رواية المحامي، فإن الأموال المذكورة ارتبطت، حسب ما نقله عن موكله، بفترة الحملة الانتخابية، كما تحدث عن مبالغ أخرى قال إنها بلغت نحو 800 مليون سنتيم و200 مليون سنتيم، وعن وقائع مرتبطة بفاس، من بينها لقاء قيل إنه تم الإعداد له عبر اتصالات هاتفية، وارتبط بمكان معروف في المدينة.

غير أن قوة هذه المعطيات لا تكمن في حجم الأرقام وحده، وإنما في إمكانية تحويلها من أقوال منسوبة إلى موكل الدفاع إلى عناصر قابلة للإثبات أو النفي. فسبعة مليارات سنتيم ليست رقماً يمكن أن يمر في الهامش، كما أن الحديث عن أموال انتخابية مفترضة، إذا ثبتت وقائعه، سيكون مسألة ذات تبعات قانونية وسياسية كبيرة. أما إذا لم تثبت، فإنها تبقى مجرد ادعاءات يتعين التعامل معها بالمسؤولية نفسها التي تفرضها خطورة الاتهام.

لكن المفاجأة الأكبر في تصريحات الدفاع لم تكن مالية فقط، بل سياسية أيضاً.

فمحمد حاسي تحدث عن اجتماع قال إن موكله حضره داخل مجلس النواب، بحضور رشيد الطالبي العلمي ومصطفى بايتاس ومحمد شوكي، إلى جانب رشيد الفايق، وقال إن الاجتماع تناول، وفق رواية موكله، وضعية الفايق السياسية وموقعه داخل الجهة، مع حديث عن انسحابه من رئاسة الجهة أو من مسؤولية داخلها، مع الاحتفاظ بمقعده البرلماني.

وبحسب الرواية نفسها، فقد مُنحت للفايق، وفق ما نقله دفاعه، مهلة 48 ساعة لتقديم استقالته، فيما تحدث المحامي عن نقاش آخر حول مبلغ 200 مليون سنتيم.

هذه الرواية، إن كانت قابلة للإثبات، تطرح أسئلة سياسية وقانونية لا يمكن تجاهلها: ما طبيعة الاجتماع؟ من دعا إليه؟ ما موضوعه الفعلي؟ وهل توجد محاضر أو مراسلات أو تسجيلات أو معطيات تقنية يمكن أن تؤكد انعقاده؟ وهل التسجيلات التي تحدث عنها الدفاع موجودة بالفعل؟ وإذا كانت موجودة، فهل يمكن التحقق من أصوات المتحدثين ومضمونها وسياقها؟

الفايق، وفق رواية محاميه، رفض الاستقالة، مستنداً إلى حصوله على أكثر من 31 ألف صوت انتخابي، معتبراً أن التخلي عن المسؤولية بعد الحصول على هذا العدد من أصوات الناخبين لا ينسجم مع ما اعتبره التزاماً تجاه المواطنين الذين صوتوا لصالحه.

وفي فصل آخر من الرواية، عاد الدفاع إلى تدبير الأموال على مستوى جهة فاس، متحدثاً عن دعم مالي للدولة قُدرت قيمته، وفق ما نقله عن موكله، بنحو 800 مليار سنتيم، قبل أن تحصل فاس، حسب الرواية ذاتها، على حصة قُدرت بنحو 140 مليار سنتيم.

وهذه النقطة تحديداً تستوجب التدقيق في الوثائق الرسمية، لأن الأرقام المتداولة كبيرة جداً، ولا يمكن أن تتحول إلى حقيقة صحافية لمجرد ورودها في تصريحات الدفاع. فالوثيقة المالية، ومقررات مجلس الجهة، والاعتمادات المرصودة، ومحاضر الدورات، ومسار صرف الأموال، هي وحدها القادرة على تحديد ما إذا كانت هذه الأرقام دقيقة أصلاً، وما طبيعة الأموال التي يشير إليها الدفاع.

وفي قلب هذا الجدل توجد مسألة أخرى لا تقل أهمية: ماذا كانت النيابة العامة تعرف قبل تصريحات الدفاع، وماذا أصبح أمامها الآن؟

المعطيات التي جرى تداولها تفيد بأن الشكاية التي تقدم بها رشيد الفايق سبق أن كانت موضوع بحث، قبل أن يتم حفظها مؤقتاً، في ظل عدم تقديمه تصريحات في مناسبات سابقة وعدم توفر عناصر إثبات كافية آنذاك، قبل أن يعود دفاعه لاحقاً بمعطيات جديدة. ولذلك فإن أهمية التطور الحالي تكمن في معرفة ما إذا كانت العناصر الجديدة التي عرضها الدفاع قادرة فعلاً على إعادة تشكيل مسار البحث.

وهنا تحديداً ينبغي أن يتوقف كل استثمار سياسي للقضية.

فلا يمكن تحويل تصريح محامٍ إلى حكم قضائي، كما لا يمكن اعتبار ورود اسم مسؤول أو قيادي في رواية أحد أطراف النزاع دليلاً على ارتكابه جريمة. وفي المقابل، لا يجوز أيضاً التعامل مع ادعاءات خطيرة على أنها بلا قيمة إذا كان أصحابها يقولون إنهم يتوفرون على صور وتسجيلات ومعطيات يمكن إخضاعها للخبرة.

المعادلة بسيطة: الدليل هو الذي يجب أن يتحدث.

إذا كانت الصورة موجودة، فلتُفحص. وإذا كان التسجيل موجوداً، فليُخضع للخبرة. وإذا كانت الاتصالات قابلة للتحقق قانوناً، فلتُدرس. وإذا كانت الأموال التي تحدث عنها الدفاع لها مسارات بنكية أو محاسبية أو انتخابية، فلتُكشف الوثائق المتعلقة بها. وإذا ثبت أن الرواية غير صحيحة، فإن ذلك يجب أن يظهر أيضاً بوضوح، لأن العدالة لا تقوم على تصديق رواية طرف ورفض رواية طرف آخر، وإنما على الأدلة.

وفي انتظار ذلك، تبقى كل الأسماء التي وردت في تصريحات الدفاع مستفيدة من قرينة البراءة، ولا يمكن تحميلها مسؤولية ما نسب إليها في رواية لم يحسم القضاء صحتها من عدمها.

لكن المؤكد أن تصريحات محمد حاسي فتحت من جديد ملفاً ثقيلاً، لا يتعلق فقط بمصير رشيد الفايق، وإنما بأسئلة أوسع حول المال والسياسة والانتخابات وعلاقة المنتخبين بالأحزاب، وحول ما إذا كانت الكواليس التي تحدث عنها الدفاع ستبقى مجرد رواية سياسية، أم أن التحقيقات ستكشف لها أثراً مادياً يمكن إثباته.

وفي النهاية، فإن أخطر ما في القضية ليس رقم «سبعة مليارات»، ولا أسماء الأشخاص التي وردت في التصريحات، ولا حتى الحديث عن اجتماع داخل قبة البرلمان؛ الأخطر هو أن تتحول مثل هذه الادعاءات إلى مادة للسجال السياسي دون أن تصل إلى نهايتها الطبيعية: وثيقة، خبرة، تحقيق، ثم قرار قضائي.

وإلى أن يحدث ذلك، ستظل «سبعة مليارات» رواية تحتاج إلى دليل، و«اجتماع البرلمان» واقعة تحتاج إلى إثبات، والتسجيلات التي يتحدث عنها الدفاع مواد تحتاج إلى خبرة، والمسؤوليات المفترضة لا يمكن أن تتحول إلى إدانة إلا بحكم قضائي نهائي.

تلك هي المسافة التي تفصل الصحافة عن التشهير، والسياسة عن القضاء، والرواية عن الحقيقة.
إعداد.. محمد النوري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.