قراءة نقدية في قانون الإضراب المرتقب
حسن تزوضى: مدرس الفلسفة وأستاذ باحث
يُعد قانون الإضراب المرتقب في المغرب واحدًا من المواضيع الأكثر إثارة للجدل في الساحة السياسية والاجتماعية، حيث إنه يمس جوهر العلاقة بين الدولة والطبقة العاملة، ويؤثر بشكل مباشر على الحقوق الدستورية المتعلقة بحرية التعبير والتنظيم. هذا القانون -الذي طال انتظاره- يُطرح الآن في سياق يتميز بتوترات اجتماعية واقتصادية عميقة، مما يثير تساؤلات حول مدى استجابته لتطلعات العمال وحماية حقوقهم، مقابل تحقيق التوازن مع متطلبات الاقتصاد الوطني.
من خلال هذه القراءة النقدية، نسعى إلى تحليل أبرز مقتضيات القانون المرتقب وإشكالياته، ومدى ملاءمته للواقع المغربي.
الإضراب باعتباره وسيلة نضالية مشروعة، يُعتبر من بين الحقوق الأساسية التي كفلها دستور 2011 في الفصل 29، حيث ينص على أن “حق الإضراب مضمون”. ورغم هذا التأكيد الدستوري، ظل غياب قانون ينظم هذا الحق فراغًا قانونيًا استمر لعقود، مما أدى إلى تباينات في تفسير ممارسته. الآن، مع اقتراب إصدار القانون، يبرز الجدل حول كيفية تنظيم هذا الحق بما يضمن عدم المساس بجوهره.
من أبرز النقاط المثيرة للنقاش في مشروع القانون المرتقب هو اشتراط إشعار مسبق للإضراب يصل إلى مدة طويلة نسبيًا، تصل في بعض المقترحات إلى أكثر من شهر ، ورغم أن هذا الإجراء قد يهدف إلى منح المشغلين والمؤسسات الوقت الكافي للتأقلم مع الإضراب أو التفاوض لتجنبه، إلا أنه يواجه انتقادات حادة، فالمدة الطويلة الفاصلة بين الإضراب وتنفيده تُضعف فعاليتة كأداة ضغط، إذ قد تمنح صاحب العمل فرصة للتلاعب أو اتخاذ إجراءات استباقية لتقويض الإضراب، مما يفقده أثره النضالي.
جانب آخر يثير الجدل يتعلق بتحديد القطاعات الحيوية التي يمنع فيها الإضراب أو تُفرض عليها قيود صارمة. رغم أن ضمان استمرار الخدمات الأساسية للمواطنين أمر لا خلاف عليه، إلا أن غياب تعريف دقيق ومحدد لهذه القطاعات يفتح الباب أمام توسع مفرط في نطاق الحظر، مما قد يؤدي إلى تقليص مساحة الإضراب في قطاعات عديدة بحجة “المصلحة العامة”. هذا الغموض قد يضعف الثقة في نوايا القانون، ويخلق شعورًا بالتمييز بين القطاعات.
من الإشكاليات الأخرى التي يطرحها مشروع القانون هو مسألة المسؤولية الفردية والجنائية للمشاركين في الإضراب حيت تشير بعض المقترحات إلى فرض عقوبات صارمة على من يعرقلون العمل أو يرتكبون أفعالًا تُعتبر “غير قانونية” أثناء الإضراب. هذه الصياغة تثير مخاوف من أن تتحول إلى أداة لتقييد حرية الإضراب من خلال ملاحقة النقابيين والعمال المضربين، خاصة وأن التجربة أثبتت أن السلطات غالبًا ما تستخدم مثل هذه البنود بشكل تعسفي.
إضافة إلى ذلك، يبرز غياب وضوح في آليات التفاوض الموازية للإضراب. القانون، في نسخته الحالية، لا يبدو أنه يعزز دور الحوار الاجتماعي بشكل حقيقي، بل يركز على تنظيم الإضراب كفعل احتجاجي. هذا النهج قد يعكس رغبة الدولة في الحد من الإضرابات بدل معالجة الأسباب التي تدفع إليها، مثل ضعف الأجور، وتدهور ظروف العمل، وغياب التغطية الاجتماعية.
النقطة الجوهرية التي ينبغي الانطلاق منها في قراءة مشروع قانون الإضراب المرتقب هي مدى توافقه مع المعايير الدولية. المغرب، كدولة عضو في منظمة العمل الدولية، ملتزم بالاتفاقيات التي تنص على حماية حقوق العمال وضمان حرية التنظيم النقابي والإضراب. لذلك، أي قانون يُصدر دون احترام هذه المعايير سيضع المغرب في مواجهة انتقادات محلية ودولية، ويؤثر على صورته كدولة تحترم الحقوق الأساسية.
الإصلاح المنشود يجب أن ينطلق من مقاربة شاملة تحمي حق الإضراب وتوازن بينه وبين متطلبات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. بدلًا من التركيز فقط على تقنين الإضراب وتقييده، ينبغي للقانون أن يعزز الحوار الاجتماعي عبر آليات فعالة تجبر الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات قبل اللجوء إلى الإضراب. كما يجب أن يتم تحديد القطاعات الحيوية بدقة وشفافية، مع ضمان ألا يؤدي ذلك إلى حرمان شريحة واسعة من العمال من حقهم في التعبير والاحتجاج.
في الختام، مشروع قانون الإضراب المرتقب في المغرب يُعد خطوة مهمة، لكنه ليس خاليًا من الإشكاليات. إذا لم يُصغَ بعناية ليحمي حقوق العمال ويوازن بين مصالح جميع الأطراف، فقد يتحول إلى أداة لتقييد الحريات بدل تعزيزها. المطلوب اليوم هو قانون يعكس طموحات المغاربة، ويؤسس لمرحلة جديدة من العدالة الاجتماعية، حيث تكون حرية الإضراب وسيلة للتغيير الإيجابي، وليست مصدرًا للصراع أو القمع.