موسم سيدي حماد أولمغني بين الحقيقة والتضليل الإعلامي

0 1٬764

من المؤسف أن يتحوّل التاريخ العريق لتظاهرة اقتصادية واجتماعية أصيلة، إلى مادة للتهريج الإعلامي والتسويق الرخيص. لقد بات من المألوف أن نقرأ في بعض المنابر ما يسمى بموسم الخطوبة أو موسم الزواج الجماعي في إملشيل، وهي تسميات لا تمت للحقيقة بصلة، بل تسيء إلى المنطقة وساكنتها وتختزل موسمًا تاريخيا في صورة مشوهة.
الحقيقة أبسط من كل هذه الأساطير الموسم ليس سوى موسم سيدي حماد أولمغني، تقليد ضارب في القدم، وُجد بالأساس لغرض تجاري. كان ولا يزال فضاءا لعرض المنتوجات المحلية والإقليمية، وفرصة للساكنة لاقتناء حاجياتهم لفصول الخريف والشتاء والربيع. هو سوق موسمي كبير، يمثل متنفسا اقتصاديا للمنطقة، ورصيدا ثقافيا أصيلا.
غير أن بعض المنابر الإعلامية، بدافع الإثارة والبحث عن العناوين الجاذبة، تعمّدت ترويج أسطورة “الخطوبة الجماعية” وزواج الجبال، حتى أوحت للمتلقي بأن الموسم لا يعدو أن يكون حفلا للنكاح والفرجة. وهو اختزال مُخل ومسيء، يطمس الوظيفة الحقيقية للموسم ويحوّله إلى حكاية فولكلورية لا علاقة لها بالواقع.
أما ما يُروّج بخصوص عقود الزواج التي تُبرم خلال الموسم، فهو في الحقيقة إجراء إداري عملي فرضته الحاجة. إذ كان شباب المنطقة وشاباتها يُضطرون إلى السفر نحو ميدلت أو الراشيدية من أجل عقد قرانهم عند العدول، لعدم توفر هذه الخدمة محليا. فكان الحل في استقدام لجنة من العدول لتحرير العقود ضمن فعاليات الموسم، في أجواء مبهجة تضفي طابعا احتفاليًا على المناسبة. هذه الخطوة العملية جرى تضخيمها إعلاميًا إلى زواج جماعي وموسم للخطوبة، بينما هي في الأصل مجرد تسهيل لخدمة اجتماعية.
إن ما يثير الاستغراب ليس فقط التهويل الإعلامي، بل الإصرار على تكراره عاما بعد عام، حتى باتت الأكاذيب تتقدّم على الحقيقة في ذهن الكثيرين. فبدل الحديث عن القيمة الاقتصادية للموسم، وعن دوره في تنشيط المنطقة تجاريا واجتماعيًا، تُصر بعض الأقلام على حشره في خانة الفرجة الغريبة لإرضاء جمهور يبحث عن الغرابة في بعض الأدوار الدخيلة الخارقة عن العادة لا غير.
لقد آن الأوان لتصحيح هذا المسار، ووضع الأمور في نصابها. فموسم سيدي حماد أولمغني ليس موسمًا للخطوبة ولا للزواج الجماعي، بل هو في جوهره سوق تقليدي ومعرض تراثي، يحمل ذاكرة جماعية وقيمة اقتصادية واجتماعية كبيرة. وعلى الإعلام أن يتحمل مسؤوليته المهنية، وأن يتوقف عن ترويج الأساطير على حساب الحقيقة.
فاحترام التاريخ والهوية ليس خيارا ثانويا، بل واجبا أخلاقيا لا يجوز التهاون فيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.