“الجامعة المغربية بين التعميم والإنصاف.. الوزير ميداوي يرد على جدل “الماستر مقابل المال”
بقلم: محمد النوري – أولاً نيوز
في خضم النقاش الواسع الذي فجّرته قضية “الماستر مقابل المال” بجامعة ابن زهر في أكادير، خرج وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، بتصريح هادئ متزن، حاول من خلاله إعادة التوازن إلى الصورة العامة عن الجامعة المغربية، في وقت باتت فيه هذه المؤسسة العريقة تواجه عاصفة من الاتهامات والانتقادات، بعضها مبرر وبعضها الآخر وليد الانفعال الإعلامي والرقمي.
الوزير، الذي كان يتحدث عقب تنصيب الرئيس الجديد لجامعة ابن زهر، شدّد على أنه لا يمكن الحكم على الجامعة المغربية من خلال ملف واحد، مبرزاً أن العدالة هي وحدها المخوّلة للبت في القضايا المعروضة أمامها، وأن الوزارة تحترم استقلال القضاء ولن تتدخل في مجراه أو نتائجه.
“أنا أحترم القضاء المغربي، وما يمكنش نحكمو على الجامعة المغربية بملف واحد”، هكذا لخّص ميداوي موقفه، في إشارة واضحة إلى أن القضية المثارة، مهما كانت خطورتها، تظل حالة معزولة لا يمكن إسقاطها على مئات الأساتذة والباحثين الذين يواصلون عملهم في صمت وإخلاص عبر ربوع البلاد.
من وجهة نظر الوزير، فإن التعميم في مثل هذه القضايا يُعد ظلماً في حق مؤسسات جامعية لطالما كانت حاضنة للعلم والإبداع، ومشتلاً لتكوين الأطر التي تسير دواليب الدولة والإدارة المغربية.
ميداوي لم ينفِ وجود اختلالات أو ممارسات شاذة، لكنه دعا إلى التمييز بين الخطأ الفردي والبنية المؤسساتية السليمة، مؤكداً أن الجامعة المغربية، رغم ما يعتريها من تحديات، تظل منارة علمية ساهمت في تخريج أجيال من الكفاءات، داخل الوطن وخارجه، وفي تطوير البحث العلمي المغربي الذي يشهد اليوم طفرة نوعية في مجالات متعددة.
فالجامعة، كما قال الوزير، “تزخر بأساتذة كبار ومؤسسات متميزة، وتساهم بقوة في التنمية الشاملة للمغرب”، وهي لا تستحق أن يُختزل عطاؤها في حادثة واحدة، أو أن تُحاكم بسبب تصرفات محدودة تُسيء إلى الصورة العامة.
القضية التي كانت وراء كل هذا الجدل، والمتعلقة بشبهات “الاتجار في الماسترات”، تمثل بالفعل جرس إنذار حقيقي داخل المنظومة الجامعية. فهي تكشف الحاجة إلى إصلاح عميق في مساطر الولوج إلى الدراسات العليا، وتفعيل صارم لآليات المراقبة والمحاسبة.
لكنها في الوقت نفسه، لا ينبغي أن تكون ذريعة لتشويه مؤسسة أكاديمية عمرها عقود من العطاء، أو لإطلاق أحكام قاسية تُضعف الثقة في الجامعة المغربية كمصدر للعلم والمعرفة.
الجامعة ليست معصومة من الأخطاء، لكنها أيضاً ليست جسداً مريضاً كما يحلو للبعض تصويرها. إنها فضاء حيوي يتفاعل مع تحولات المجتمع، ويعاني من بعض أوجه الخلل التي تستوجب معالجة، لا تجريحاً ولا تبخيساً.
إن الإنصاف يقتضي التمييز بين الممارسات الفردية والمؤسسة الأكاديمية ككيان وطني، وبين النقد البنّاء الذي يدفع إلى الإصلاح، والتشهير الذي يزرع الشك واليأس في نفوس الطلبة والأساتذة على حد سواء.
تصريحات الوزير ميداوي يمكن قراءتها في سياق محاولة الوزارة إعادة الثقة إلى الجامعة المغربية، من خلال الاستمرار في ورش الإصلاح الجامعي الشامل، الذي يرتكز على تحديث أنظمة الحكامة، والرفع من جودة التكوين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع مجالات الشفافية في الانتقاء والتعيين والتدبير.
فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على جلد الذات، بل على النقد الرصين، والاعتراف بالاختلالات من دون أن يُلغي ما تحقق من تراكمات إيجابية.
قضية “الماستر مقابل المال” ستأخذ مجراها القضائي، وسينال المخطئ جزاءه إن ثبتت عليه التهمة. لكن الجامعة المغربية ستظل، برغم كل شيء، فضاءً للنور والمعرفة والبحث العلمي، ومؤسسة وطنية تستحق الدعم والإصلاح، لا التبخيس والإدانة الجماعية.
فالعدالة تمضي في طريقها، والإصلاح مستمر، والجامعة – كما قال الوزير ميداوي – “تظل مشرفة بتاريخها وعطائها، ورافعة أساسية لبناء الدولة الحديثة”.