“الانتحار السياسي المبكر.. حين تتحول التزكية إلى بوصلة” إنتخابات-أولى نيوز. في السياسة، لا يكفي أن يطرق المرء باب الحزب حتى يصبح سياسياً، ولا تكفي صورة عابرة في المشهد العام حتى تتحول إلى رصيد انتخابي. فالسياسة، في معناها الحقيقي، ليست قفزة نحو موقع، ولا بحثاً مستعجلاً عن تزكية، وإنما مسار طويل من التراكم، والمواقف، والاحتكاك بقضايا الناس، وتحمل كلفة الاختيارات حين تكون الطريق محفوفة بالخسارة. من هنا تبدو تجربة بعض الوجوه الشابة في المشهد السياسي المحلي جديرة بالتأمل، ليس من زاوية الأشخاص في حد ذاتهم، وإنما باعتبارها نموذجاً لسؤال أكبر: كيف ينتقل ناشط أو فاعل في محيط اجتماعي معين من فضاء النضال المدني والرمزي إلى الحقل الحزبي؟ وما الذي يحدث عندما تصبح الطموحات الانتخابية أسرع من بناء الرصيد السياسي؟ لقد كان الحضور الأول لهذا الوجه الشاب مرتبطاً، بالأساس، بفضاءات شبابية حملت هموم القضية الأمازيغية، وانخرطت في نقاشات ونضالات محلية مرتبطة بقضايا المنطقة ومطالبها. ولم يكن ذلك الحضور نتاج مسار انتخابي طويل، ولا ثمرة تجربة حزبية متراكمة، بقدر ما كان يستند إلى ثقة رمزية اكتسبها داخل محيط شبابي كان يبحث عن أصوات جديدة قادرة على التعبير عن انتظاراته. وهنا تحديداً تكمن قيمة ذلك الرصيد وخطورته في الوقت نفسه. فالقبول داخل حركة اجتماعية أو وسط شبابي ليس شيكاً على بياض، ولا تفويضاً دائماً للانتقال إلى أي موقع سياسي. إنه مسؤولية أخلاقية وسياسية، لأن من يكتسب حضوره من ثقة الناس يصبح مطالباً بتفسير اختياراته لهم، لا بمجرد تبريرها لنفسه. المفارقة تبدأ عندما يتحول الرصيد الرمزي إلى منصة للبحث عن موقع حزبي سريع، خصوصاً إذا كان الانتقال إلى ذلك الموقع يبدو، في نظر المتابعين، متعارضاً مع بعض المرجعيات التي صنعت الصورة الأولى لصاحبه. وهنا لا يتعلق الأمر بمبدأ حرية الانتماء الحزبي؛ فهذا حق سياسي ودستوري لا يمكن مصادرته. كما أن تغيير الحزب ليس في حد ذاته جريمة سياسية، فالتحولات الحزبية قد تكون أحياناً نتيجة مراجعة فكرية حقيقية أو اقتناع جديد أو قراءة مختلفة للواقع. لكن السؤال المشروع يبدأ عندما لا يكون هناك تفسير سياسي واضح لهذا التحول. ماذا تغير؟ هل تغيرت القناعة أم تغيرت الحسابات؟ هل نحن أمام مراجعة فكرية أم أمام إعادة تموضع انتخابي؟ وهل يظل المبدأ ثابتاً عندما تتغير الخريطة الانتخابية؟ هذه الأسئلة ليست اتهامات، وإنما هي جوهر العمل السياسي نفسه. فالسياسة لا تُقاس فقط بالباب الذي تدخل منه، بل أيضاً بالأثر الذي تتركه خلفك وأنت تغادر باباً آخر. والأخطر من ذلك أن تتحول السياسة إلى ما يشبه سوقاً موسمية للتزكيات، حيث يصبح الحزب مجرد وسيلة عبور، والانتماء مجرد بطاقة مؤقتة، والبرنامج مجرد واجهة انتخابية، فيما تتحول الغاية الأساسية إلى الوصول إلى المؤسسة المنتخبة بأي طريق متاح. في هذه الحالة، لا يعود الأمر يتعلق ببناء مشروع سياسي، وإنما ببناء مسار شخصي نحو المقعد. وهذا هو الفارق الجوهري بين السياسي وصاحب الطموح الانتخابي. السياسي يبني مشروعه حتى عندما لا يجد مقعداً. أما صاحب الطموح الانتخابي فيبدأ مشروعه من السؤال: أين يوجد المقعد؟ الأول يراكم المواقف، والثاني يراكم الفرص. الأول يستطيع أن يخسر انتخابات ويحافظ على احترام الناس، والثاني قد يربح معركة انتخابية ويخسر رصيده الأخلاقي والسياسي. ومن هذه الزاوية، فإن عدم الحصول على تزكية حزبية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية المسار. السياسة مدرسة طويلة، والانتكاسات فيها جزء من عملية بناء القوة. بل إن بعض أكثر التجارب السياسية نضجاً بدأت من الهزيمة، لأن أصحابها فهموا أن الخسارة ليست إهانة، وأن الرفض لا يعني بالضرورة المؤامرة، وأن الطريق إلى النجاح لا يمر دائماً عبر أقصر مسافة. المشكلة تبدأ حين تتحول الخسارة إلى رغبة في العقاب السياسي، أو حين يصبح الانتقال من ضفة إلى أخرى وسيلة للرد على قرار حزبي لم ينسجم مع الطموح الشخصي. عندها يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل نحن أمام مشروع سياسي يبحث عن موقع، أم أمام موقع يبحث عن مشروع؟ والسياسة، في نهاية المطاف، ليست انفعالاً عابراً ولا ردة فعل على قرار تنظيمي. إنها قدرة على ضبط الطموح، واستيعاب الصدمات، وقراءة موازين القوى، وإعادة بناء الذات السياسية من الصفر إذا اقتضى الأمر. أما القفز السريع من تنظيم إلى آخر، ومن مرجعية إلى أخرى، ومن خطاب إلى خطاب، فقد يمنح صاحبه وهجاً قصير الأمد، لكنه يحمل معه فاتورة سياسية باهظة: اهتزاز الثقة. والثقة هي العملة الأصعب في السياسة. يمكن شراء مساحة إعلامية، ويمكن الحصول على موقع تنظيمي، ويمكن الوصول إلى لائحة انتخابية، ويمكن حتى صناعة حضور رقمي مكثف، لكن لا يمكن شراء ذاكرة الناس. فالناس يتذكرون من كان معهم عندما لم يكن يملك شيئاً، ومن بقي ثابتاً عندما لم تكن هناك تزكية، ومن حافظ على خطابه عندما كانت كلفة الموقف مرتفعة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: إلى أي حزب اتجه هذا الوجه الشاب؟ وإنما: ما الذي بقي من الصورة السياسية التي صنعت ثقته الأولى؟ هل بقيت القضايا التي شكلت مدخله إلى المجال العام في مقدمة اهتمامه؟ هل ظل وفياً للخطاب الذي منحه شرعيته الرمزية؟ وهل يستطيع أن يقنع من وثقوا به بأن الانتقال كان نتيجة قناعة سياسية وليس مجرد رد فعل على إغلاق باب انتخابي؟ هذه الأسئلة وحدها كفيلة بإظهار الفارق بين التحول السياسي والمناورة السياسية. فالتحول يحتاج إلى تفسير، والمراجعة تحتاج إلى شجاعة، والاختلاف يحتاج إلى حجة، أما تغيير المواقع بمجرد تغير الظروف فلا يصنع بالضرورة رجل سياسة؛ قد يصنع فقط عابراً جديداً في موسم انتخابي مزدحم. وفي النهاية، لن يكون الحكم لهذا المقال، ولا لخصوم هذا الشاب، ولا حتى لأنصاره. الحكم الحقيقي سيكون للزمن وللناخبين وللذاكرة الجماعية. فالأحزاب تتغير، واللوائح تتبدل، والتزكيات تُمنح وتُسحب، والتحالفات تولد وتموت، لكن شيئاً واحداً يبقى أطول من كل هذه الترتيبات: صورة السياسي في ذاكرة الناس. ومن يفرط في هذه الصورة من أجل مكسب انتخابي عاجل، قد يكتشف لاحقاً أن الطريق إلى المقعد كان أقصر بكثير من الطريق إلى استعادة الثقة. وهنا تحديداً يبدأ الحديث عن الانتحار السياسي المبكر: ليس لأن شخصاً اختار حزباً دون آخر، وإنما لأن بعض الطموحات قد تحرق، في لحظة استعجال واحدة، الجسور التي كان يفترض أن تحمل صاحبها نحو مستقبل سياسي أكثر رسوخاً. فالسياسة ليست فن الوصول فقط؛ إنها قبل ذلك فن الانتظار، وفن الخسارة، وفن الثبات عندما لا يكون هناك ما يُغري بالثبات. ومن لا يتعلم هذه القاعدة مبكراً، قد يصل إلى السياسة بسرعة… لكنه قد يغادرها أسرع مما يتوقع. •إعداد ..محمد النوري.

0 24

“الانتحار السياسي المبكر.. حين تتحول التزكية إلى بوصلة”

إنتخابات-أولى نيوز.

في السياسة، لا يكفي أن يطرق المرء باب الحزب حتى يصبح سياسياً، ولا تكفي صورة عابرة في المشهد العام حتى تتحول إلى رصيد انتخابي. فالسياسة، في معناها الحقيقي، ليست قفزة نحو موقع، ولا بحثاً مستعجلاً عن تزكية، وإنما مسار طويل من التراكم، والمواقف، والاحتكاك بقضايا الناس، وتحمل كلفة الاختيارات حين تكون الطريق محفوفة بالخسارة.

من هنا تبدو تجربة بعض الوجوه الشابة في المشهد السياسي المحلي جديرة بالتأمل، ليس من زاوية الأشخاص في حد ذاتهم، وإنما باعتبارها نموذجاً لسؤال أكبر: كيف ينتقل ناشط أو فاعل في محيط اجتماعي معين من فضاء النضال المدني والرمزي إلى الحقل الحزبي؟ وما الذي يحدث عندما تصبح الطموحات الانتخابية أسرع من بناء الرصيد السياسي؟

لقد كان الحضور الأول لهذا الوجه الشاب مرتبطاً، بالأساس، بفضاءات شبابية حملت هموم القضية الأمازيغية، وانخرطت في نقاشات ونضالات محلية مرتبطة بقضايا المنطقة ومطالبها. ولم يكن ذلك الحضور نتاج مسار انتخابي طويل، ولا ثمرة تجربة حزبية متراكمة، بقدر ما كان يستند إلى ثقة رمزية اكتسبها داخل محيط شبابي كان يبحث عن أصوات جديدة قادرة على التعبير عن انتظاراته.

وهنا تحديداً تكمن قيمة ذلك الرصيد وخطورته في الوقت نفسه.

فالقبول داخل حركة اجتماعية أو وسط شبابي ليس شيكاً على بياض، ولا تفويضاً دائماً للانتقال إلى أي موقع سياسي. إنه مسؤولية أخلاقية وسياسية، لأن من يكتسب حضوره من ثقة الناس يصبح مطالباً بتفسير اختياراته لهم، لا بمجرد تبريرها لنفسه.

المفارقة تبدأ عندما يتحول الرصيد الرمزي إلى منصة للبحث عن موقع حزبي سريع، خصوصاً إذا كان الانتقال إلى ذلك الموقع يبدو، في نظر المتابعين، متعارضاً مع بعض المرجعيات التي صنعت الصورة الأولى لصاحبه.

وهنا لا يتعلق الأمر بمبدأ حرية الانتماء الحزبي؛ فهذا حق سياسي ودستوري لا يمكن مصادرته. كما أن تغيير الحزب ليس في حد ذاته جريمة سياسية، فالتحولات الحزبية قد تكون أحياناً نتيجة مراجعة فكرية حقيقية أو اقتناع جديد أو قراءة مختلفة للواقع.

لكن السؤال المشروع يبدأ عندما لا يكون هناك تفسير سياسي واضح لهذا التحول.

ماذا تغير؟ هل تغيرت القناعة أم تغيرت الحسابات؟ هل نحن أمام مراجعة فكرية أم أمام إعادة تموضع انتخابي؟ وهل يظل المبدأ ثابتاً عندما تتغير الخريطة الانتخابية؟

هذه الأسئلة ليست اتهامات، وإنما هي جوهر العمل السياسي نفسه.

فالسياسة لا تُقاس فقط بالباب الذي تدخل منه، بل أيضاً بالأثر الذي تتركه خلفك وأنت تغادر باباً آخر.

والأخطر من ذلك أن تتحول السياسة إلى ما يشبه سوقاً موسمية للتزكيات، حيث يصبح الحزب مجرد وسيلة عبور، والانتماء مجرد بطاقة مؤقتة، والبرنامج مجرد واجهة انتخابية، فيما تتحول الغاية الأساسية إلى الوصول إلى المؤسسة المنتخبة بأي طريق متاح.

في هذه الحالة، لا يعود الأمر يتعلق ببناء مشروع سياسي، وإنما ببناء مسار شخصي نحو المقعد.

وهذا هو الفارق الجوهري بين السياسي وصاحب الطموح الانتخابي.

السياسي يبني مشروعه حتى عندما لا يجد مقعداً. أما صاحب الطموح الانتخابي فيبدأ مشروعه من السؤال: أين يوجد المقعد؟

الأول يراكم المواقف، والثاني يراكم الفرص.

الأول يستطيع أن يخسر انتخابات ويحافظ على احترام الناس، والثاني قد يربح معركة انتخابية ويخسر رصيده الأخلاقي والسياسي.

ومن هذه الزاوية، فإن عدم الحصول على تزكية حزبية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية المسار. السياسة مدرسة طويلة، والانتكاسات فيها جزء من عملية بناء القوة. بل إن بعض أكثر التجارب السياسية نضجاً بدأت من الهزيمة، لأن أصحابها فهموا أن الخسارة ليست إهانة، وأن الرفض لا يعني بالضرورة المؤامرة، وأن الطريق إلى النجاح لا يمر دائماً عبر أقصر مسافة.

المشكلة تبدأ حين تتحول الخسارة إلى رغبة في العقاب السياسي، أو حين يصبح الانتقال من ضفة إلى أخرى وسيلة للرد على قرار حزبي لم ينسجم مع الطموح الشخصي.

عندها يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل نحن أمام مشروع سياسي يبحث عن موقع، أم أمام موقع يبحث عن مشروع؟

والسياسة، في نهاية المطاف، ليست انفعالاً عابراً ولا ردة فعل على قرار تنظيمي. إنها قدرة على ضبط الطموح، واستيعاب الصدمات، وقراءة موازين القوى، وإعادة بناء الذات السياسية من الصفر إذا اقتضى الأمر.

أما القفز السريع من تنظيم إلى آخر، ومن مرجعية إلى أخرى، ومن خطاب إلى خطاب، فقد يمنح صاحبه وهجاً قصير الأمد، لكنه يحمل معه فاتورة سياسية باهظة: اهتزاز الثقة.

والثقة هي العملة الأصعب في السياسة.

يمكن شراء مساحة إعلامية، ويمكن الحصول على موقع تنظيمي، ويمكن الوصول إلى لائحة انتخابية، ويمكن حتى صناعة حضور رقمي مكثف، لكن لا يمكن شراء ذاكرة الناس.

فالناس يتذكرون من كان معهم عندما لم يكن يملك شيئاً، ومن بقي ثابتاً عندما لم تكن هناك تزكية، ومن حافظ على خطابه عندما كانت كلفة الموقف مرتفعة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: إلى أي حزب اتجه هذا الوجه الشاب؟ وإنما: ما الذي بقي من الصورة السياسية التي صنعت ثقته الأولى؟

هل بقيت القضايا التي شكلت مدخله إلى المجال العام في مقدمة اهتمامه؟ هل ظل وفياً للخطاب الذي منحه شرعيته الرمزية؟ وهل يستطيع أن يقنع من وثقوا به بأن الانتقال كان نتيجة قناعة سياسية وليس مجرد رد فعل على إغلاق باب انتخابي؟

هذه الأسئلة وحدها كفيلة بإظهار الفارق بين التحول السياسي والمناورة السياسية.

فالتحول يحتاج إلى تفسير، والمراجعة تحتاج إلى شجاعة، والاختلاف يحتاج إلى حجة، أما تغيير المواقع بمجرد تغير الظروف فلا يصنع بالضرورة رجل سياسة؛ قد يصنع فقط عابراً جديداً في موسم انتخابي مزدحم.

وفي النهاية، لن يكون الحكم لهذا المقال، ولا لخصوم هذا الشاب، ولا حتى لأنصاره. الحكم الحقيقي سيكون للزمن وللناخبين وللذاكرة الجماعية.

فالأحزاب تتغير، واللوائح تتبدل، والتزكيات تُمنح وتُسحب، والتحالفات تولد وتموت، لكن شيئاً واحداً يبقى أطول من كل هذه الترتيبات: صورة السياسي في ذاكرة الناس.

ومن يفرط في هذه الصورة من أجل مكسب انتخابي عاجل، قد يكتشف لاحقاً أن الطريق إلى المقعد كان أقصر بكثير من الطريق إلى استعادة الثقة.

وهنا تحديداً يبدأ الحديث عن الانتحار السياسي المبكر: ليس لأن شخصاً اختار حزباً دون آخر، وإنما لأن بعض الطموحات قد تحرق، في لحظة استعجال واحدة، الجسور التي كان يفترض أن تحمل صاحبها نحو مستقبل سياسي أكثر رسوخاً.

فالسياسة ليست فن الوصول فقط؛ إنها قبل ذلك فن الانتظار، وفن الخسارة، وفن الثبات عندما لا يكون هناك ما يُغري بالثبات.

ومن لا يتعلم هذه القاعدة مبكراً، قد يصل إلى السياسة بسرعة… لكنه قد يغادرها أسرع مما يتوقع.
•إعداد ..محمد النوري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.