ليس دفاعاً عن الدكتور الفايد، ولكن دفاعاً عن حرية التعبير والاستعمال العلني للعقل

0 15

بقلم الأستاذ: حسن تزوضى
ليس من الضروري أن نتفق مع محمد الفايد حتى ندافع عن حقه في التعبير، كما أننا لسنا مضطرين إلى تبني آرائه حتى نرفض تحويل الاختلاف معه إلى مناسبة لمصادرة حقه في التفكير أو التعبير. فالمسألة، في تقديري، تتجاوز شخص الفايد وما قاله في هذه القضية أو تلك، لتلامس سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا يعني أن نعيش في مجتمع يعترف بالعقل، ويقر بحرية التعبير، ويعتبر الإنسان مواطناً كامل الأهلية في التفكير وإبداء الرأي؟
إن القضية الحقيقية ليست: هل الفايد مصيب أم مخطئ؟ فهذا سؤال مشروع، بل ضروري، ويمكن للمتخصصين والعلماء والباحثين أن يجيبوا عنه بما لديهم من حجج وأدلة. وإنما القضية هي: هل نواجه الفكرة بالفكرة، أم نواجه صاحبها بالإقصاء؟ وهل نرد على السؤال بالحجة، أم نحاول إلغاء حق صاحبه في طرحه؟
الفرق بين الأمرين ليس تفصيلاً صغيراً. إنه الفرق بين ثقافة الحوار وثقافة الوصاية، وبين مجتمع يسمح بتداول الأفكار ومجتمع يحدد مسبقاً ما يجوز التفكير فيه وما لا يجوز.
لقد أثارت بعض تصريحات محمد الفايد جدلاً واسعاً، خصوصاً حين اقترب من قضايا دينية شديدة الحساسية في الوعي الجمعي. ومن حق من اختلف معه أن يرفض قراءته، وأن يفند استدلالاته، وأن يستند إلى القرآن والحديث واللغة والتفسير والتاريخ، وأن يبين ما يراه خطأً في كلامه. بل إن السكوت عن الخطأ، إن ثبت أنه خطأ، ليس فضيلة فكرية.
لكن ثمة لحظة يصبح فيها النقاش شيئاً آخر.
تلك اللحظة التي لا يعود فيها السؤال: «أين أخطأت؟»، وإنما يصبح: «كيف نمنعك من الكلام؟».
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فحرية التعبير لا تُختبر عندما يتحدث الإنسان بما يرضينا، وإنما عندما يقول ما يستفزنا. ومن السهل جداً أن ندافع عن حرية شخص نتفق معه، لكن قيمة المبدأ تظهر عندما يكون صاحب الرأي على الطرف المقابل من قناعاتنا.
إذا كنا لا نريد حرية التعبير إلا لمن يقول ما نحب، فنحن لا ندافع عن الحرية، وإنما ندافع عن امتياز لأنفسنا.
أما الحرية الحقيقية فتبدأ عندما نستطيع أن نقول: «أنا أرفض فكرتك، لكنني لا أرفض حقك في التعبير عنها».
وهذا ليس ترفاً فلسفياً.
إنه شرط أساسي لأي مجتمع يريد أن ينتقل من منطق الجماعة المغلقة إلى منطق المجال العمومي.
ومن هنا تكتسب فكرة إيمانويل كانط حول «الاستعمال العلني للعقل» راهنيتها.
عندما كتب كانط نصه الشهير «جواب عن سؤال: ما الأنوار؟» لم يكن يتحدث عن العلم والتنوير باعتبارهما مجرد تراكم للمعارف، وإنما كان يطرح سؤالاً يتعلق بقدرة الإنسان على الخروج من حالة القصور التي يعيش فيها حين يجعل الآخرين يفكرون نيابة عنه.
فالإنسان، في نظر كانط، لا يكون حراً فقط لأنه يستطيع أن يفكر في داخله، بل لأن له الحق في أن يستخدم عقله علناً.
وهنا تكمن أهمية الفكرة.
أن يكون لك عقل، فهذا أمر طبيعي.
أما أن تمتلك الشجاعة لاستعماله علناً، فذلك هو التحدي.
فالوصاية لا تعني دائماً أن يأتي شخص ويقول لك: «أنا أفكر بدلاً منك». قد تكون الوصاية أكثر نعومة: «لا تسأل هذا السؤال»، «لا تناقش هذه المسألة»، «لا تقترب من هذه المنطقة»، «هناك أشياء لا ينبغي للعقل أن يبحث فيها».
وبهذه الطريقة يمكن أن يتحول المجتمع تدريجياً إلى مجتمع يحفظ الإجابات أكثر مما ينتج الأسئلة.
والمشكلة هنا ليست في الدين تحديداً، بل في علاقة الإنسان بالعقل.
فكل مجال يمكن أن يتحول إلى مجال للوصاية إذا أصبح السؤال فيه محرماً لمجرد أنه يزعج السائد.
وقد يكون الدين أكثر المجالات حساسية، لأن الأسئلة المتعلقة بالمقدس لا تمس العقل وحده، وإنما تمس الذاكرة والهوية والانتماء والشعور الجماعي. ولذلك يصبح الاختلاف فيها أكثر قابلية لإثارة الانفعال.
لكن هذا بالضبط هو السبب الذي يجعلنا أكثر حاجة إلى العقل، لا أقل.
فالانفعال لا يمكن أن يكون معياراً للحقيقة.
وكون فكرة ما تزعجنا لا يعني أنها خاطئة.
وكونها تثير غضبنا لا يعني أن صاحبها فقد حقه في التعبير.
وكونها تمس منطقة مقدسة في وعينا لا يعني أن صاحبها أصبح خارج دائرة الحوار.
هنا يمكن أن نستحضر قصة باروخ سبينوزا، لا باعتبارها قصة مشابهة تماماً لما يجري اليوم، وإنما باعتبارها لحظة تاريخية كاشفة عن الثمن الذي يمكن أن يدفعه العقل عندما يصطدم بحدود الجماعة.
كان سبينوزا يعيش في أمستردام في القرن السابع عشر، داخل الجماعة اليهودية البرتغالية التي كانت قد وجدت في هولندا، نسبياً، فضاءً أكثر انفتاحاً مقارنة ببيئات أوروبية أخرى. لكنه سرعان ما دخل في صدام فكري مع تصورات دينية سائدة داخل محيطه.
وفي سنة 1656 صدر بحقه قرار الحِرِم من الجماعة اليهودية في أمستردام، وهو قرار ديني واجتماعي شديد القسوة في سياقه، أدى إلى القطيعة معه ومنعه من العلاقات الطبيعية مع أفراد الجماعة.
وليس المهم هنا إعادة سرد الحكاية بوصفها قصة «رجل دين ضد فيلسوف»، فهذا تبسيط للتاريخ.
الأهم أن سبينوزا يمثل لحظة تاريخية أصبح فيها السؤال الفلسفي أكثر من مجرد سؤال نظري. لقد أصبح السؤال نفسه موقفاً من سلطة الجماعة ومن حدود ما يمكن للإنسان أن يفكر فيه.
لم يكن سبينوزا يبحث فقط عن إجابة لسؤال فلسفي معزول؛ كان يختبر حدود حرية العقل.
وبعد سنوات، سيذهب أبعد في الدفاع عن هذه الحرية، خصوصاً في «رسالة في اللاهوت والسياسة»، حيث دافع عن حرية التفلسف وربطها بإمكان قيام دولة مستقرة لا تجعل التفكير جريمة، دولة علمانية قادرة على حماية الجميع، دولة راعية للعقل وللحرية، يتعايش فيها المؤمن والملحد واللاديني تحت سقف واحد هو القانون بعيدا عن الميولات الشخصية، دولة تضمن الحق للجميع.
إن أهمية سبينوزا بالنسبة إلى نقاشنا اليوم لا تكمن في أن نتفق معه في فلسفته، ولا في أن نجعل منه بطلاً أسطورياً ضد الدين، فهذا اختزال لا يخدم الفلسفة ولا التاريخ.
تكمن أهميته في شيء أبسط وأعمق: ماذا يحدث عندما تصبح الجماعة غير قادرة على التمييز بين نقد فكرة ونبذ صاحبها؟
فحين تتحول الجماعة إلى سلطة تحدد مسبقاً ما يجوز التفكير فيه، يصبح الإنسان مطالباً ليس فقط باحترام معتقدات الآخرين، بل بالتخلي عن جزء من استقلاله العقلي حتى لا يزعجهم.
وهنا تتجاوز المسألة سبينوزا.
إنها تصبح مسألة كل مجتمع، بل وكل دولة
لأن الجماعات، أياً كانت مرجعياتها، قد تقع في الإغراء نفسه: إغراء حماية هويتها عن طريق تضييق مساحة الاختلاف.
لكن الهوية التي تحتاج إلى إسكات كل سؤال حتى تحافظ على نفسها، تكشف في الواقع عن هشاشتها.
أما الهوية الواثقة من نفسها، فإنها تستطيع أن تسمح بالاختلاف دون أن تعتبره تهديداً لوجودها.
وهذا يقودنا مرة أخرى إلى قضية محمد الفايد.
فليس المطلوب أن نقول إن الفايد هو سبينوزا جديد، ولا أن نقارن بين الرجلين من حيث المكانة أو الأفكار أو السياقات التاريخية. مثل هذه المقارنة ستكون متكلفة ولا قيمة لها.
المطلوب هو أن نتعلم من التجربة التاريخية سؤالاً واحداً: ماذا نفعل عندما يطرح شخص سؤالاً أو يقدم تأويلاً يصطدم بما اعتدنا اعتباره غير قابل للنقاش؟
هل نفتح معه النقاش؟
أم نغلق الباب في وجهه؟
هل نقدم الأدلة؟
أم نبحث عن سلطة تمنحه الصمت؟
هل نقول له: «أنت مخطئ»؟
أم نقول: «ليس من حقك أن تقول ذلك»؟
الأولى ثقافة نقد.
والثانية ثقافة وصاية.
وهنا لا بد من التمييز بين أمرين غالباً ما يجري الخلط بينهما: حرية التفكير وحرية الخطأ.
أن يكون الإنسان حراً في التفكير لا يعني أن كل ما يفكر فيه صحيح.
وأن يكون حراً في التعبير لا يعني أن المجتمع ملزم بتصديق كلامه.
وأن نرفض منعه من الكلام لا يعني أننا نمنحه حصانة من النقد.
بالعكس تماماً.
كلما اتسعت مساحة الحرية، ازدادت مسؤولية صاحب الرأي في الدفاع عن كلامه.
ولهذا فإن الدفاع عن حرية الفايد، بالمعنى الذي نقترحه هنا، هو في الوقت نفسه دفاع عن حق خصومه في نقده.
نريد أن يستطيع الفايد أن يقول ما يراه.
ونريد في المقابل أن يستطيع العلماء والباحثون والمفكرون أن يقولوا له: «أنت مخطئ، وهذه أدلتنا».
نريد أن يكون المجال العام مفتوحاً للرأيين.
لأن الحقيقة لا تحتاج إلى جمهور يمنع الآخرين من الكلام، وإنما تحتاج إلى حجج تستطيع الصمود أمام النقد.
وهذا هو جوهر الاستعمال العلني للعقل.
إن العقل لا يمارس وظيفته عندما يبحث عن التصفيق، بل عندما يقبل أن يضع أفكاره أمام الآخرين.
الفكرة التي لا تقبل النقد تتحول إلى عقيدة مغلقة.
والفكرة التي تقبل النقد تدخل مجال المعرفة.
ومن هنا فإن الجامعة، والصحافة، والكتاب، والمناظرة، والمنصة العمومية، ليست مجرد فضاءات للكلام، وإنما هي مؤسسات للاختبار.
ففي المجال العمومي لا يكفي أن تقول: «أنا أؤمن بهذا».
بل ينبغي أن تكون مستعداً لأن تسمع من يقول لك: «ولماذا؟».
وهذا السؤال البسيط هو أحد أعظم الأسئلة في تاريخ العقل.
«لماذا؟»
لماذا نعتقد؟
لماذا نرفض؟
لماذا نقبل؟
لماذا نفسر النص بهذه الطريقة دون تلك؟
لماذا نعتبر هذا التأويل مشروعاً وذاك غير مشروع؟
إن المجتمع الذي يخاف من هذه الأسئلة يتحول شيئاً فشيئاً إلى مجتمع يطلب الطاعة بدل الاقتناع.
والطاعة قد تنتج الهدوء، لكنها لا تنتج بالضرورة الحقيقة.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أيضاً الحذر من الدور الذي أصبحت تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي.
لقد تغيرت طبيعة «المحاكمة» في زمننا.
لم تعد تحتاج إلى قاضٍ أو ملف أو جلسات.
قد تكفي دقيقة واحدة من الفيديو، وجملة مبتورة، وعنوان مثير، ومئات الآلاف من المشاركات.
وهكذا يمكن أن يتحول الشخص في ساعات قليلة من إنسان له تاريخ وتجربة وأفكار متعددة إلى «جملة» واحدة يتداولها الناس.
إنها ظاهرة خطيرة لأنها تلغي السياق.
والفكر لا يعيش خارج السياق.
الجملة قد تكون مستفزة عندما تُقتطع، لكنها قد تحمل معنى مختلفاً عندما توضع داخل النقاش الذي وردت فيه.
ولهذا فإن التعامل المسؤول مع قضية الفايد لا يقتضي فقط نقده أو الدفاع عنه، وإنما يقتضي أيضاً التحقق من الكلام المنسوب إليه، والعودة إلى مصادره الأصلية، وعدم بناء أحكام خطيرة على مقاطع مجتزأة أو منشورات مجهولة المصدر.
ففي عصر السرعة، أصبحت الدقة فضيلة أخلاقية.
كما أن الرد على الفكرة لا ينبغي أن يتحول إلى حملة على الشخص.
فليس من حقنا أن نختزل إنساناً في موقف واحد، حتى لو كان موقفه مستفزاً.
يمكن نقد الفكرة دون إهانة صاحبها.
ويمكن رفض التأويل دون تكفير المؤول.
ويمكن الدفاع عن المقدس دون تحويل المختلف إلى عدو.
ويمكن ممارسة النقد الصارم دون ممارسة العنف الرمزي أو المادي.
وهذا هو معنى النضج الفكري.
إن الدولة الحديثة بدورها مطالبة بأن تحافظ على هذا التوازن.
فإذا كانت هناك حدود قانونية لحرية التعبير، فإن تحديدها وتنفيذها من اختصاص المؤسسات والقانون، لا من اختصاص الغضب الجماعي.
فالفتوى ليست حكماً قضائياً، والرأي الديني ليس ترخيصاً للعقوبة، والاختلاف الفكري لا يمنح أحداً سلطة على جسد الآخر أو حياته.
هذه ليست مسألة تخص الفايد وحده.
إنها قاعدة يجب أن تحمي الجميع.
لأن المجتمع الذي يسمح اليوم بإسكات شخص لا نتفق معه، قد يستيقظ غداً ليجد أن أدوات الإسكات نفسها تستخدم ضد شخص نعتقد أنه أقرب إلينا.
ولهذا فإن الدفاع عن حرية التعبير ليس دفاعاً عن «الآخر» فقط.
إنه دفاع عن أنفسنا أيضاً.
إننا لا نعرف أي فكرة سنختلف معها غداً، ولا نعرف أي سلطة ستصبح في مواجهتنا، ولا نعرف أي سؤال سيبدو في المستقبل مزعجاً للذين يملكون النفوذ.
ولهذا نحتاج إلى قواعد عامة لا تتغير بتغير الأشخاص.
إذا كان الفايد مخطئاً، فليُخطَّأ بالحجة.
إذا كان تأويله ضعيفاً، فلتكشف الدراسات مواطن ضعفه.
إذا كان استدلاله غير منسجم، فليُفكك منطقياً.
إذا كان قد أساء التعبير، فليُنبه إلى ذلك.
وإذا ارتكب فعلاً يجرمه القانون، فليكن القانون هو الفيصل.
لكن لا ينبغي أن ننتقل من سؤال «هل ما قاله صحيح؟» إلى سؤال «كيف نخرسه؟».
لأن هذه النقلة هي التي ينبغي أن تقلقنا.
ففي اللحظة التي يصبح فيها إسكات الإنسان أسهل من مناقشة فكرته، نكون قد بدأنا نفقد شيئاً من معنى العقل.
وفي اللحظة التي يصبح فيها التخويف أكثر فاعلية من الحجة، نكون قد منحنا الخوف سلطة على الفكر.
وفي اللحظة التي يصبح فيها التكفير بديلاً عن النقاش، نكون قد أغلقنا الباب الذي يفترض أن تدخل منه المعرفة.
إن الدفاع عن حرية التعبير لا يعني إذن الدفاع عن الفايد، كما أن رفض التكفير لا يعني قبول أفكاره، وكما أن الدفاع عن الاستعمال العلني للعقل لا يعني إعلان الحرب على الدين.
على العكس.
إنه دفاع عن إمكان الحوار بين الإنسان وقناعاته، وبين العقل والموروث، وبين السؤال والإجابة.
فالدين الذي يؤمن بقدرته على الإقناع لا يحتاج إلى إسكات السائل.
والفكر الذي يثق في قوته لا يحتاج إلى إلغاء خصمه.
والدولة التي تثق في مؤسساتها لا تسمح للأفراد بأن يتحولوا إلى محاكم متنقلة.
والمجتمع الذي يثق في نضجه لا يرى في كل سؤال مؤامرة.
ربما نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة المعنى الحقيقي للحرية.
فالحرية ليست أن تقول ما أقوله أنا.
الحرية هي أن أقبل حقك في قول ما لا أريد سماعه، ما دام ذلك يجري داخل حدود القانون، ثم أمارس حقي في الرد والنقد والاعتراض.
وهذا تحديداً هو معنى أن يصبح العقل علنياً.
أن نخرج من منطق «أنا أملك الحقيقة، ولذلك لا أحتاج إلى مناقشتك»، إلى منطق «أنا أعتقد أنني على حق، ولذلك سأقدم حجتي وأسمح لك بالاعتراض».
إنها مسافة صغيرة في اللغة، لكنها مسافة هائلة في الحضارة.
لقد كان سبينوزا مثالاً تاريخياً على أن السؤال يمكن أن يجعل صاحبه غريباً عن جماعته.
وكان كانط مثالاً فلسفياً على أن تحرير الإنسان يبدأ حين يتجرأ على استعمال عقله.
واليوم، لا نحتاج إلى إعادة إنتاج مآسي الماضي، ولا إلى صناعة أبطال وضحايا جدد.
نحتاج فقط إلى أن نتعلم الدرس.
أن السؤال ليس جريمة.
وأن الخطأ ليس جريمة فكرية تستوجب الإقصاء.
وأن الاختلاف لا يعني العداء.
وأن النقد لا يعني الكراهية.
وأن حرية التعبير لا تصبح ذات معنى إلا عندما تحمي الكلام الذي يزعجنا بقدر ما تحمي الكلام الذي يرضينا.
لهذا، فإن الموقف الذي ينبغي أن نتخذه من قضية محمد الفايد ليس موقف المريد ولا موقف الخصم، وإنما موقف المواطن الذي يريد أن يعيش في مجتمع يستطيع فيه الإنسان أن يقول: «أنا أختلف معك»، دون أن يضيف إليها: «ولذلك يجب أن أمنعك من الكلام».
لسنا مطالبين بأن نتفق مع الفايد.
ولا بأن نقبل تأويلاته.
ولا بأن نمنحه حصانة من النقد.
لكننا مطالبون، إذا كنا نريد مجتمعاً يحترم العقل، بأن ندافع عن حقه في أن يقدم أفكاره، وأن ندافع في الوقت نفسه عن حق الآخرين في تفنيدها.
فالمعركة الحقيقية ليست بين الفايد وخصومه.
المعركة الحقيقية هي بين ثقافتين في إدارة الاختلاف: ثقافة ترى في السؤال فرصة للبرهان، وثقافة ترى فيه تهديداً ينبغي إسكاته.
والاختيار بينهما ليس اختياراً في قضية عابرة.
إنه اختيار في نوع المجتمع الذي نريد أن نبنيه.
مجتمع يقول لأبنائه: «فكر، واسأل، وناقش، لكن تحمل مسؤولية ما تقول».
أم مجتمع يقول لهم: «احفظ، وكرر، ولا تقترب من الأسئلة التي قد تزعج السائد».
بين هذين النموذجين تقع مسألة الحرية كلها.
ولهذا، فإن الدفاع عن حرية التعبير هنا ليس دفاعاً عن الفايد بقدر ما هو دفاع عن حقنا جميعاً في أن نكون كائنات عاقلة، قادرة على السؤال، وعلى الاختلاف، وعلى مراجعة ما ورثناه دون خوف.
فحين نحمي حق المختلف في الكلام، لا نحمي كلامه بالضرورة؛ إننا نحمي المجال الذي يسمح لنا جميعاً بأن نتكلم.
وحين ندافع عن الاستعمال العلني للعقل، لا نعلن انتصار العقل على الدين، ولا الدين على العقل؛ إننا ندافع عن إنسان يستطيع أن يعيش إيمانه وفكره دون أن يُطلب منه أن يتخلى عن أحدهما خوفاً من الآخر.
أما الحقيقة، فلا تحتاج إلى الصمت.
تحتاج إلى الحجة.
ولا تحتاج إلى التكفير.
تحتاج إلى البرهان.
ولا تحتاج إلى الخوف.
تحتاج إلى إنسان يملك شجاعة أن يسأل، وشجاعة أكبر أن يسمع الجواب.
ذلك هو الدفاع عن الفايد الذي لا نريده؛ والدفاع عن الحرية التي نحتاجها جميعاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.