“المغرب.. أوراش قياسية تعيد رسم خريطة قطاع البناء والأشغال الكبرى”
صفقات-أولى نيوز
لم يعد النقاش حول الطفرة الاستثمارية التي يشهدها المغرب مرتبطاً فقط بحجم الأموال المرصودة للأوراش الكبرى، بل بات يتصل أيضاً بالسؤال الأهم: كيف تتوزع ثمار هذا الاستثمار داخل النسيج المقاولاتي الوطني؟
فمع تسارع وتيرة إنجاز الملاعب والمطارات والطرق والسكك الحديدية والمنشآت المائية والمرافق الصحية، تتجه قيمة الطلبيات العمومية والاستراتيجية إلى مستويات غير مسبوقة، فيما تبرز أسماء مجموعات كبرى مثل SGTM وTGCC بشكل متكرر ضمن المشاريع ذات الكلفة المرتفعة، مستفيدة من إمكانات مالية وتقنية وتجارب تنفيذية ومراجع أعمال تؤهلها للمنافسة على العقود ذات الحجم الكبير.
غير أن الوجه الآخر لهذه الدينامية يبرز في المسافة التي تفصل آلاف المقاولات الصغرى والمتوسطة عن قلب هذه السوق. فالمنافسة على الصفقات الكبرى لا تحسمها القدرة على تقديم عرض مالي فقط، وإنما تدخل فيها منظومة متشابكة من شروط التأهيل والتصنيف، والمراجع التقنية، والقدرة على توفير الضمانات البنكية، وتمويل انطلاق الأوراش، وتحمل آجال الأداء ومخاطر ارتفاع كلفة المواد واللوجستيك.
وهنا تطرح طفرة الاستثمار العمومي سؤالاً اقتصادياً يتجاوز أسماء الشركات: هل يتحول اتساع حجم السوق بالضرورة إلى اتساع قاعدة المستفيدين منها؟
فكلما ارتفعت قيمة المشاريع وتعقدت متطلباتها التقنية والمالية، ازدادت أهمية الحجم الاقتصادي للمقاولة وقدرتها على تحمل المخاطر، وهو ما يمكن أن يدفع السوق بصورة طبيعية نحو مزيد من التركّز حول الفاعلين الذين يمتلكون الرساميل والخبرة والمراجع والقدرة التشغيلية اللازمة.
ومع بلوغ سجل طلبيات SGTM وTGCC معاً أكثر من 63 مليار درهم في منتصف 2026، تبدو الصورة أكثر دلالة على حجم التحول الجاري داخل قطاع الأشغال الكبرى: مجموعات تمتلك قدرة متزايدة على مراكمة المشاريع والخبرات، في مقابل مقاولات أصغر تحاول العثور على مساحات داخل دورة استثمارية ضخمة لا تضمن، بمجرد اتساعها، توزيع الفرص بالتساوي.
المسألة، في نهاية المطاف، ليست في نجاح الشركات الكبرى في انتزاع الصفقات؛ فهذا جزء طبيعي من منطق المنافسة عندما تستوفي الشركات شروطها. السؤال التنموي الأوسع هو ما إذا كانت هذه الأوراش قادرة أيضاً على خلق سلاسل توريد ومناولة وشراكات حقيقية تفتح الطريق أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة، حتى لا يبقى الاستثمار العمومي محركاً لنمو عدد محدود من المجموعات، بينما يظل الجزء الأكبر من النسيج المقاولاتي في هامش المشهد.
وبينما يستعد المغرب لمرحلة جديدة من الاستثمار في البنية التحتية والمنشآت الاستراتيجية، فإن نجاح هذه الطفرة لا يقاس فقط بعدد الملاعب والطرق والمطارات التي ستُنجز، ولا بحجم الصفقات التي ستُوقّع، بل كذلك بقدرتها على توسيع قاعدة القيمة المضافة الوطنية، ونقل الخبرة، وتنمية المناولة، وخلق مقاولات قادرة على الانتقال من هامش الأوراش إلى قلبها.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: كم ستُنفق الدولة؟
بل أيضاً: من سيبني، ومن سيستفيد، وكم من مقاولة مغربية ستخرج من هذه الطفرة أكثر قوة وقدرة على المنافسة؟