المواطنة أولاً… والبرلمان مؤسسة وليس شبكة علاقات

0 9

عبد الحق الحسيني
إن جوهر المواطنة هو أن يكون المواطن متساوياً في الحقوق والواجبات، وأن يحصل على الخدمات العمومية والتنمية وفق القانون والحاجة والأولويات، وليس وفق قربه من هذا المسؤول أو ذاك.

ومن هنا فإن الممارسة البرلمانية النزيهة لا ينبغي أن تقوم على منطق «لدي علاقات ومعارف»، وإنما على قوة الحجة، ووضوح المطالب، والقدرة على الترافع داخل المؤسسات، واستعمال جميع الآليات التي يمنحها الدستور والقانون للبرلماني من أجل الدفاع عن دائرته.

فالبرلماني ليس وسيطاً بين المواطن والدولة، ولا صاحب فضل شخصي على مدينته.

البرلماني ممثل للأمة، ومهمته أن ينقل مطالب المواطنين ويدافع عنها داخل المؤسسات، وأن يمارس الرقابة والتشريع والترافع بكل نزاهة وشفافية.

ومن حق طاطا أن تطالب بنصيبها العادل من التنمية، بل ومن حق ممثلها أن يطالب بكل ما تحتاجه المنطقة، دون أن يطلب شيئاً ليس من حقها، ودون أن يقبل في المقابل أن تُحرم من حقها المشروع.

وهنا نقولها بوضوح لكل من سيفوز في الاستحقاق البرلماني المقبل:

نحن لا نريد منك ما ليس من حق طاطا، ولا نريد امتيازات خاصة على حساب باقي المدن والمناطق. نريد فقط ما تستحقه طاطا وفق حاجياتها ومؤهلاتها وواقعها الاجتماعي والاقتصادي.

بل إننا، وبكل صراحة، نشك في وجود مدينة مغربية أكثر احتياجاً من طاطا في عدد من المجالات، بالنظر إلى وضعها الجغرافي والاقتصادي، وبعدها عن المراكز الكبرى، وحاجياتها في مجالات الشغل والاستثمار والخدمات والبنيات الأساسية وحماية الواحات.

لكن إذا استنفد البرلماني جميع الوسائل والمساطر المؤسساتية، وطرق جميع الأبواب القانونية، وقدم كل الحجج والملفات والمعطيات، ثم تبين له أن طاطا لا تحصل على ما تستحقه فعلاً، فهنا نريد أن نرى موقفاً سياسياً نزيهاً وشجاعاً.

نريد من البرلماني، في هذه الحالة، ألا يحول عجزه إلى شعارات، وألا يختبئ وراء الحديث عن «العلاقات والمعارف»، وألا يجعل المواطن يدفع ثمن فشل الترافع.

بل نريده أن يقول بوضوح:

لقد استنفدت جميع المساطر والمؤسسات والآليات القانونية للدفاع عن حقوق طاطا، ولم أستطع إيصال مطالبها المشروعة، ولذلك أضع استقالتي أمام المواطنين احتجاجاً على هذا الوضع.

هذه هي، في نظرنا، إحدى أرقى صور الممارسة السياسية.

فالاستقالة في هذه الحالة ليست هروباً من المسؤولية، وإنما يمكن أن تكون احتجاجاً سياسياً وأخلاقياً عندما يثبت المنتخب أنه استنفد بالفعل كل الوسائل المؤسساتية ولم يعد قادراً على أداء المهمة التي انتُخب من أجلها.

أما أن يبقى البرلماني لسنوات في موقع المسؤولية، ثم يكتفي بالقول إن لديه علاقات ومعارف، بينما تظل الأسئلة الكبرى حول الشغل والاستثمار والصناعة وحماية الواحات والتنمية الاقتصادية مطروحة، فهذا بالضبط ما يستحق أن يخضع للنقاش والمساءلة.

طاطا لا تريد برلمانياً يمتلك أكثر العلاقات؛ طاطا تريد برلمانياً يمتلك أكثر الجرأة والنزاهة والقدرة على الترافع.

ولا تريد من يمثلها أن يأتيها بما ليس من حقها، كما أنها لا تقبل أن تُحرم مما هو حق مشروع لها.

نريد دولة مؤسسات، لا دولة علاقات.
نريد مواطنة، لا زبونية.
نريد ترافعاً برلمانياً، لا وساطة شخصية.
ونريد تنمية تقوم على الاستحقاق والعدالة المجالية، لا على قوة المعارف.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام كل من يسعى إلى تمثيل طاطا في البرلمان هو:

ماذا ستفعل عندما تطالب طاطا بحقوقها المشروعة ولا تحصل عليها، بعد أن تكون قد استنفدت كل المساطر المؤسساتية؟

هنا تحديداً يظهر الفرق بين من يبحث عن المنصب، ومن يحمل فعلاً مسؤولية تمثيل المواطنين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.