القضاء بورزازات يُنصف ضحية الإهمال الطبي: حكمٌ يفتح جرح المسؤولية في القطاع الصحي الخاص

0 523

تحقيق – محمد النوري / جريدة «أولى-نيوز»

في مشهد مؤثر داخل قاعة المحكمة الابتدائية بورزازات، أُسدِل الستار على واحدة من القضايا التي هزّت الرأي العام المحلي، بعد أن قضت الهيئة القضائية بإدانة طبيب صاحب مصحة خاصة وممرضين، بتهم ثقيلة تتعلق بالإهمال الطبي والتزوير في وثائق رسمية، عقب وفاة سيدة أثناء خضوعها لعملية جراحية داخل المصحة نفسها.
الحكم، الذي وُصف من طرف متتبعين بأنه “انتصار لعدالة المرضى”، جاء بعد مسار قضائي دقيق، انتهى بإصدار عقوبات جنائية وتعويض مدني غير مسبوق بلغ مليون درهم لفائدة ذوي الضحية.

القضية، التي بدأت تفاصيلها بعملية جراحية عادية، تحوّلت إلى مأساة بعد أن تبين أن العملية أُجريت في غياب طبيب الإنعاش والتخدير، وهو عنصر أساسي في أي تدخل جراحي. فقد تولّت ممرضة مختصة مهمة المواكبة الطبية، لتتعرض المريضة بعدها لمضاعفات حادة انتهت بوفاتها. ومع محاولات المصحة تبرير الحادثة، ظهرت وثيقة رسمية تفيد زوراً بحضور طبيب الإنعاش أثناء العملية، وهو ما نفاه زوج الضحية بشكل قاطع، ليقرر تقديم شكاية إلى النيابة العامة التي فتحت تحقيقاً شاملاً في الواقعة.

تحقيقات الضابطة القضائية كشفت معطيات صادمة، أبرزها تزوير محضر طبي وغياب تام للالتزام بالقوانين المؤطرة للعمل الجراحي. وبناء على المعطيات التقنية والتقارير الطبية، وجّهت النيابة العامة تهم القتل غير العمد الناتج عن الإهمال، وعدم احترام الأنظمة الطبية الجاري بها العمل، وصنع شهادة تتضمن معطيات غير صحيحة واستعمالها، للطبيب والممرضين المعنيين.

وبعد مداولات طويلة، قضت المحكمة في حق الطبيب بستة أشهر حبساً نافذاً وغرامة مالية قدرها ألف درهم، بينما أصدرت أحكاماً بأربعة أشهر حبس نافذ وغرامة مماثلة في حق الممرض المتقاعد والممرضة المختصة. أما في الجانب المدني، فقد قررت المحكمة تعويض عائلة الضحية بمليون درهم، مع إحلال شركة التأمين محل المتهمين في الأداء.

من الناحية القانونية، يندرج الحكم في إطار تطبيق مقتضيات الفصلين 432 و366 من القانون الجنائي المغربي، اللذين يجرّمان القتل غير العمد والإدلاء بشهادات كاذبة. ويقول الأستاذ عبد الرحمان البكري، المحامي بهيئة مراكش، إن هذا الحكم “يكرّس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويؤكد أن القطاع الصحي الخاص ليس خارج نطاق المساءلة”. ويضيف أن “القضاء المغربي بدأ يتعامل بصرامة مع قضايا الأخطاء الطبية التي كانت تُطوى سابقاً تحت ذريعة الخطأ المهني أو الظروف الطارئة”.

أما من الناحية الأخلاقية والطبية، فقد أثار الحكم نقاشاً واسعاً في الأوساط الصحية، بين من اعتبره خطوة ضرورية لتطهير القطاع من الممارسات غير المهنية، ومن رأى فيه تهديداً لحرية الممارسة الطبية.
يقول الدكتور عبد الصمد بوعزة، طبيب التخدير والإنعاش بالرباط، إن “غياب طبيب الإنعاش عن أي عملية جراحية يشكل مخالفة صريحة لبروتوكولات وزارة الصحة، لأن وجوده أساسي في كل لحظة من مراحل العملية”. ويضيف: “القضية تعكس خللاً بنيوياً في بعض المصحات التي تُدار بمنطق الربح أكثر من منطق الحياة، مما يستدعي إعادة النظر في منظومة المراقبة الطبية الخاصة”.

من جهة أخرى، يرى الدكتور عادل الفاسي، أستاذ القانون الطبي بجامعة الحسن الثاني، أن “التعامل مع الأخطاء الطبية وفق مقتضيات القانون الجنائي وحده لا يكفي، لأن الأمر يحتاج إلى مدونة خاصة بالمسؤولية الطبية تحدد بوضوح الفرق بين الخطأ المهني العرضي والإهمال الجسيم الذي يرقى إلى الجريمة”. ويشير إلى أن “الفراغ التشريعي يجعل القضاء في كثير من الأحيان مضطراً لتطبيق نصوص جنائية عامة، ما يخلق التباساً في التكييف القانوني”.

وبين المواقف القانونية والطبية، تبقى أسر الضحايا هي الوجه الإنساني الأكثر حضوراً في هذه القضايا. فزوج الضحية، الذي تابع أطوار المحاكمة منذ بدايتها، اعتبر الحكم “بلسماً جزئياً على الجرح”، مؤكداً أنه لا يسعى إلى الانتقام بقدر ما يطالب بالاعتراف بخطأ أودى بحياة زوجته.

ويؤكد حقوقيون أن هذا الحكم سيكون له أثر مباشر على أداء المصحات الخاصة، إذ من المتوقع أن تعزز هذه المؤسسات إجراءاتها الإدارية والوقائية لتفادي تكرار مثل هذه المآسي، خصوصاً في ظل تزايد شكايات الإهمال الطبي بالمغرب.

إن العدالة التي أنصفت أسرة الضحية في ورزازات لم تكتفِ بإصدار حكم قضائي، بل فتحت باباً واسعاً للنقاش حول واقع الممارسة الطبية في القطاع الخاص، وحول ضرورة مراجعة القوانين المنظمة للمهنة بما يوازن بين حق المريض في الحياة وحق الطبيب في الممارسة الآمنة.

فالقضية، رغم طابعها المحلي، تُعبّر عن معركة وطنية من أجل ترسيخ ثقافة المحاسبة في المجال الصحي، وتعزيز ثقة المواطن في القضاء وفي المنظومة الطبية. وربما يكون هذا الحكم بداية مسار جديد في علاقة الطبيب بالمريض، عنوانه الأبرز: “لا أحد فوق القانون… حتى في غرفة العمليات”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.