“78 مليار سنتيم صُرفت… والواحة تستغيث: هل آن أوان تقييم سياسات إنقاذ نخيل زاكورة؟”

0 38

أولى نيوز.. زاكورة-ورزازات

لم يعد وضع الواحات بإقليم زاكورة مجرد ملف فلاحي عادي، بل تحول إلى قضية تنموية وبيئية تستدعي نقاشاً وطنياً صريحاً حول حصيلة البرامج العمومية، ونجاعة الاستثمارات التي رُصدت لإنقاذ واحدة من أهم المنظومات البيئية والاقتصادية بالمغرب.

فقد أعلن رئيس مصلحة الإنتاج النباتي بالمكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بورزازات أن إقليم زاكورة استفاد، منذ إطلاق مخطط المغرب الأخضر، من استثمارات بلغت 78 مليار سنتيم، إلى جانب توزيع 800 ألف فسيلة نخيل بالمجان على الفلاحين. كما يجري الإعداد لبرنامج جديد بقيمة 68 مليار سنتيم لإعادة تأهيل واحات الإقليم.

لكن هذه الأرقام الكبيرة تطرح سؤالاً مشروعاً يردده المواطنون والفلاحون: إذا كانت هذه المليارات قد صُرفت فعلاً، فلماذا لا تزال الواحات تعاني من التراجع، والنخيل يموت، وإنتاج التمور ينخفض سنة بعد أخرى؟

في المقابل، يرى عدد من المهنيين والخبراء أن تحميل المكتب الجهوي وحده مسؤولية هذا الوضع لا يعكس الصورة كاملة، لأن الواحات تواجه تحديات معقدة، في مقدمتها سنوات الجفاف المتتالية، والانخفاض الحاد في منسوب الفرشة المائية، وارتفاع درجات الحرارة، إضافة إلى الأمراض التي تصيب النخيل، وهي عوامل تتجاوز في كثير من الأحيان اختصاص أي مؤسسة تقنية.

غير أن الإقرار بوجود أزمة مناخية لا يعفي، في المقابل، من ضرورة تقييم حصيلة البرامج العمومية ومدى تحقيقها للأهداف المعلنة. فالأموال العمومية تخضع لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومن حق المواطنين الاطلاع على تقارير الإنجاز، وعدد الفسائل التي استمرت في النمو، ونسب نجاح عمليات الغرس، وكيفية اختيار المستفيدين، ومدى انعكاس تلك الاستثمارات على الإنتاج والدخل المحلي.

كما أن النقاش الدائر بين المواطنين أفرز ملاحظات تستحق الاهتمام، من بينها مطالب بإرساء مزيد من الشفافية في توزيع الفسائل، وضمان تكافؤ الفرص بين الفلاحين، مع نشر معايير الاستفادة واللوائح الخاصة بالمشاريع المدعمة، بما يعزز الثقة في البرامج العمومية.

أما الحل، فلا يكمن في تبادل الاتهامات، بل في الانتقال من تشخيص الأزمة إلى تنفيذ رؤية متكاملة لإنقاذ الواحات. وتبدأ هذه الرؤية بإجراء افتحاص مالي وتقني مستقل لجميع المشاريع المنجزة خلال السنوات الماضية، لتقييم أثرها الحقيقي وتحديد مكامن القوة والاختلالات قبل إطلاق أي برامج جديدة.

كما تفرض المرحلة إعطاء الأولوية القصوى للأمن المائي، عبر تسريع مشاريع تعبئة الموارد المائية، وتحسين استغلال مياه السدود، وإعادة تأهيل الخطارات، وتوسيع تقنيات الري المقتصد للمياه، وتشجيع إعادة استعمال المياه المعالجة في المجال الفلاحي، لأن نجاح أي عملية لإعادة غرس النخيل يبقى رهيناً بتوفر الماء.

ومن بين الحلول العملية أيضاً، تعزيز البحث العلمي لإنتاج أصناف نخيل أكثر مقاومة للجفاف والأمراض، ومواصلة برامج مكافحة مرض البيوض، مع مواكبة الفلاحين بالتأطير والتكوين والتتبع الميداني، حتى لا تتحول عمليات توزيع الفسائل إلى مجرد أرقام دون أثر ملموس على الواقع.

وفي السياق ذاته، يظل مطلب إحداث مديرية إقليمية للفلاحة بزاكورة مطلباً يراه عدد من الفاعلين المحليين وسيلة لتعزيز الحكامة وتقريب الإدارة من الفلاحين، وضمان تتبع أفضل للمشاريع والميزانيات المخصصة للإقليم.

إن واحات زاكورة ليست مجرد حقول نخيل، بل هي تراث حضاري وبيئي يشكل مصدر عيش آلاف الأسر ورمزاً لهوية الجنوب الشرقي. وحمايتها مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمؤسسات المنتخبة والقطاعات الحكومية والباحثون والمجتمع المدني والفلاحون أنفسهم.

وبين الأرقام المعلنة والواقع الميداني، تبقى الحقيقة التي لا يختلف حولها أحد هي أن الواحات تحتاج اليوم إلى الماء، والحكامة، والشفافية، والتقييم العلمي المستقل أكثر من أي وقت مضى، حتى تتحول المليارات المرصودة من أرقام في التقارير إلى نخيل مثمر، وواحات نابضة بالحياة، وتنمية يشعر بها المواطن قبل أن يقرأها في البلاغات الرسمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.