هوية مدرس الفلسفة..الثابت والمتحول
ذ:حسن تزوضى مدرس الفلسفة وأستاذ باحث
هوية مدرس الفلسفة قضية تستدعي النظر العميق في طبيعة الدور الذي يقوم به هذا المدرس داخل المنظومة التعليمية وخارجها. إنها ليست مجرد هوية مهنية مرتبطة بتخصص أكاديمي، بل هي كينونة تتفاعل مع طبيعة الفلسفة ذاتها كبحث دائم عن الحقيقة، وقيم النقد، والحرية، والتساؤل. هذه الهوية تتأرجح بين الثابت والمتغير؛ الثابت هو القيم الفلسفية الكبرى التي تُشكل العمق الأخلاقي والفكري للمدرس، بينما المتغير يتصل بالتحولات التي تفرضها سياقات التعليم وضرورات الواقع الاجتماعي والثقافي.
في ظل هذا، يجد مدرس الفلسفة نفسه أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على جوهر رسالته الفلسفية من جهة، والاستجابة لمتطلبات المؤسسة التعليمية بضوابطها وإكراهاتها من جهة أخرى. وبالتالي، فإن التفكير في هوية مدرس الفلسفة لا ينفصل عن التفكير في القيم والسمات التي يجب أن يحملها، والتي تعبر عن وفائه لروح الفلسفة ومصداقيته كممارس تربوي.
مدرس الفلسفة شخصية متميزة في المنظومة التعليمية، بفضل طبيعة المادة التي يدرسها والقيم التي يسعى لترسيخها. إلا أن النظر في هوية هذا المدرس ينقسم إلى اتجاهين متناقضين. الاتجاه الأول يرى أن مدرس الفلسفة لا يختلف في جوهره عن باقي المدرسين، وأن شعوره بالتميز ليس سوى وهم نابع من تضخم أناه. يستند هذا الرأي إلى مفهوم التحول المستمر للهوية وفق السياقات، ويدعو مدرس الفلسفة إلى التحرر من التصنيفات الثابتة التي تقيده، باعتبار أن الهوية نفسها مفهوم متغير ومتعدد.
في المقابل، يرى الاتجاه الثاني أن مدرس الفلسفة يتمتع بهوية متميزة، نابعة من طبيعة مادته الدراسية. مادة الفلسفة ترتكز على النقد، التساؤل، والشك، وهي قيم تواجه الكثير من التحديات في بيئة يغلب عليها الاستبداد الفكري، وضيق مساحة حرية التعبير، والإيمان المطلق بالمسلمات. من هذا المنطلق، يعاني مدرس الفلسفة أكثر من غيره في أداء رسالته، إذ يجد نفسه بين مطرقة الالتزام بالقيم الفلسفية وسندان الإكراهات الثقافية والمؤسساتية.
أمام هذا الاختلاف في الرؤية، تبرز إشكالات جوهرية مرتبطة بهوية مدرس الفلسفة، من أبرزها الاغتراب الهوياتي الذي يعيش فيه العديد من مدرسي الفلسفة. فالكثير منهم يفقدون الصلة بالقيم الفلسفية الكبرى وينزلقون نحو هويات سطحية، ما يُضعف أثرهم التربوي والفكري. كما يعاني مدرس الفلسفة أحيانًا من تناقض بين قيمه الفلسفية العليا وواقع الممارسة العملية الذي تفرضه المؤسسة التعليمية. هذا الفصام يجعل من الضروري التفكير في كيفية التوفيق بين القيم الفلسفية ومتطلبات المؤسسة.
إن الثابت في هوية مدرس الفلسفة يتمثل في القيم والسمات الفلسفية الكبرى التي تشكل جوهر الهوية، مثل الجرأة الفكرية، العقلانية، الدفاع عن الإنسان، وقيم الحرية والحق. هذه القيم لا تتغير لأنها تجسد روح الفلسفة عبر التاريخ. أما المتغير فيرتبط بالتحولات التقنية، البيداغوجية، والقانونية التي تقتضيها المنظومة التعليمية. على مدرس الفلسفة أن يكيف ممارساته مع هذه التحولات دون التضحية بجوهره الفلسفي.
هوية مدرس الفلسفة ليست مجرد وضعية مهنية، بل هي مشروع فكري وأخلاقي متجدد. الحفاظ على هذه الهوية يقتضي توازنًا دقيقًا بين الوفاء لقيم الفلسفة الكبرى وبين التكيف مع المتغيرات التي يفرضها السياق التعليمي والاجتماعي. مدرس الفلسفة الناجح هو من يتمكن من جعل هذا التوازن نقطة قوة تعزز دوره التربوي والفكري في المجتمع.