من تازة إلى غزة: انكشاف الوهم وأزمة الخطاب السياسي بالمغرب
بقلم الأستاذ: حسن تزوضى
في لحظة فارقة من تهافت الخطاب السياسي المغربي، تعود شخصية عبد الإله بنكيران إلى واجهة الجدل العمومي لا بوصفه فاعلاً سياسياً يحمل مشروعاً، بل كظاهرة خطابية تكشف عمق الإفلاس الذي يعيشه المجال السياسي المغربي منذ سنوات، فحين يصف رئيس حكومة سابق شريحة من الشعب بـ”الحمير” لمجرد تعبيرهم عن موقفهم من أولوية القضايا الوطنية، فإننا لا نكون فقط أمام انزلاق لغوي، بل أمام انكشافٍ خطير لمنطق الهيمنة الذي يحكم علاقة النخب السياسية بالمواطنين. الأمر يتجاوز حدود الجدل السياسي الظرفي، ليمس بنية الفهم والتواصل والدلالة داخل الحقل السياسي المغربي.
إن تصريح بنكيران الأخير، الذي يهاجم فيه من يتبنون مقولة “تازة قبل غزة”، يفضح نزعة أبوية سلطوية مستبطنة في خطاب جزء كبير من الطبقة السياسية، نزعة لا ترى في المواطن شريكاً في التفكير وفي الوطن، بل كائناً ناقص العقل، يحتاج إلى التوجيه والتقريع، وهي نزعة تعود بنا إلى عمق المأزق: هل السياسة في المغرب تقوم على الاعتراف المتبادل، أم على التسليم القسري والتبعية الرمزية؟ هنا تنكشف الفجوة بين السياسي والمواطن، بين من يعتبر ذاته ناطقاً باسم “الحق” و”الدين” و”الوطن”، ومن يُطالَب فقط بالصمت والطاعة.
ليس غريباً أن يتورط بنكيران في مثل هذا السقوط الخطابي، فهو نفسه الذي جسّد طوال تجربته في الحكم تناقضات المشروع الإسلاموي عند اقترانه بالسلطة، فمنذ صعود حزب العدالة والتنمية في أعقاب حراك 2011، تسلّح بخطاب أخلاقي يعد بالتغيير، محتمياً بمرجعية دينية تدّعي النزاهة والتعفف. لكن الممارسة كشفت العكس: من تمرير قرارات لا شعبية تمس الفئات الهشة، إلى تبني سياسة تقشف نيوليبرالية، وصولاً إلى توقيع اتفاق التطبيع مع إسرائيل، وهي ذروة النكوص عن الشعارات المؤسسة للحزب نفسه. فكيف يمكن لمن كان على رأس حكومة طبّعت مع الاحتلال أن يهاجم من يرفعون صوتهم من أجل العدالة الاجتماعية داخل وطنهم؟
هنا يطلّ سؤال من وراء الركام: ما معنى أن نتضامن مع فلسطين بينما نقمع مطالب المغاربة في الصحة والتعليم والكرامة؟ ما الجدوى من استدعاء القضايا الخارجية كشكل من أشكال الاستثمار الرمزي، بينما تستمر الهوة بين المركز والهامش، وبين القمة وقاع المجتمع؟ ليست “تازة قبل غزة” شعاراً انعزالياً أو رفضاً لمبدئية القضية الفلسطينية، بل هي تعبير عن أولويات مجتمعية يعتبرها المواطن أكثر إلحاحاً في ظل التهميش، البطالة، ورداءة الخدمات. إنها شكل من أشكال المقاومة الرمزية ضد ما يسميه بيير بورديو بـ”العنف الرمزي”، حيث تُفرض على المواطنين أولويات لا تعبّر عنهم، بل تُصاغ من فوق، في دوائر السلطة والخطابة السلطوية.
الخطير في خطاب بنكيران لا يكمن في إساءته اللفظية فقط، بل في طبيعة الاستعلاء الذي يتخلله. إذ ينتمي إلى ذلك النمط من السياسيين الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على القيم، ومحتكرين للحقيقة، وممثلين لما هو “صواب” أخلاقياً. وهو وهم أيديولوجي قديم، أعيد إنتاجه في قالب جديد من طرف الإسلاميين الجدد الذين دخلوا مؤسسات الحكم لا من أجل تفكيك بنية الاستبداد وتحقيق التغيير المنشود، بل من أجل إعادة تدويرهما وإخراجهما في صورة أكثر بشاعة ، ولذلك فإن تجربة العدالة والتنمية ليست فقط فشلاً سياسياً، بل انتحارا مأساويا لمشروع الاسلاميين.
هذا الإفلاس لا يخص حزب العدالة والتنمية وحده، بل يعم مجمل المشهد الحزبي المغربي، حيث تحولت الأحزاب إلى هياكل خاوية، تلهث وراء الانتخابات، وتمارس السياسة كطقس إداري، لا كفعل نضالي. لم يعد هناك فارق جوهري بين الأحزاب، لا في الرؤية، ولا في الخطاب، ولا في المشروع المجتمعي. لقد تماهى الجميع مع منطق التدبير البيروقراطي، وأُفرغت السياسة من محتواها القيمي. فلم يعد الغرض منها بناء المجتمع، بل إدارة أزماته المتكررة بأقل تكلفة. وهذا ما يجعل تصريحات مثل تلك التي أطلقها بنكيران تتغذى من مناخ عام بات يفرغ الكلمات من معناها، ويحوّل النخب السياسية إلى مجرد أبواق لخطاب عمودي، لا يملك لا التواضع ولا الحكمة.
من هنا، تظهر الحاجة إلى قراءة فلسفية لأزمة الخطاب السياسي في المغرب، بوصفها أزمة في المعنى والاعتراف. فقدان الثقة لا يأتي فقط من السياسات الفاشلة، بل من شعور المواطن بأن صوته لا يُسمع، وأن كلماته تُسفه، وأن أولوياته تُهزأ. وهذا ما يجعل السياسة تتحول إلى ما سماه الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير “توزيع لا متكافئ للحس المشترك”، أي أن هناك من يُعتبر كلامه ذا وزن، ومن يُقصى من دائرة التعبير(من كتاب :توزيع الحسّي: الجماليات والسياسة، جاك رانسيير). وما فعله بنكيران هو تجسيد حي لهذا الإقصاء، حين حوّل موقفاً شعبياً نابعاً من شعور بالحيف الاجتماعي إلى موضوع تهكم واحتقار.
إن ما نحن في حاجة إليه اليوم، ليس الدفاع عن غزة أو تازة في المطلق، بل استعادة الفكرة الأصيلة للسياسة: بوصفها فضاءً للإنصات، والاختلاف، والتفاوض الرمزي حول المصير المشترك. فحين تُقمع الأولويات المحلية باسم الالتزام القومي، تتحول القضية العادلة إلى أداة تسويغ للظلم، وحين يُستدعى المقدس الديني لإسكات النقد الاجتماعي، تصبح الأخلاق غطاءً للسلطوية. والحال أن دعم القضية الفلسطينية لا يجب أن يكون مبرراً لدفن القضايا الداخلية، بل يجب أن يكون امتداداً لمنطق واحد: مناهضة الظلم، حيثما وُجد، ومن أية جهة جاء.
في ضوء كل هذا، فإن تصريحات بنكيران لا يجب أن تُقرأ كحادثة معزولة، بل كمرآة عاكسة لانسداد شامل في أفق السياسة المغربية. إنها لحظة يجب أن توقظ فينا الرغبة في استعادة الكلمة من أيدي المتسلطين عليها، وإعادة بناء فعل سياسي جديد، نابع من الأسفل، من التجربة اليومية للمواطنين، من معاناتهم وكرامتهم وحقهم في التعبير دون تقريع أو وصاية. إن الصراع الحقيقي اليوم ليس بين غزة وتازة، بل بين من يريدون مغرباً حراً، ديمقراطياً، يقدّر العقل، ويحتضن النقد، وبين من يستثمرون في الشعارات ليغطوا على خيباتهم المتكررة.
ربما لا نملك الآن مؤسسات تمثيلية جديرة بالثقة، لكننا نملك أدوات التفكير، والنقد والمساءلة، وتلك وحدها قد تكون بداية الفعل السياسي الحقيقي.