ثروات بالملايير ونخب عاجزة… من يحمي درعة-تافيلالت من الاستنزاف؟

0 489

محمد النوري- أولى نيوز.

قراءة تحليلية في خلفيات نقاش سياسي يتجاوز الجغرافيا إلى عمق سؤال التنمية والتمثيلية

في سياق سياسي يتّسم بتصاعد النقاش حول جدوى الفعل الحزبي وفعالية النخب الجهوية، أعاد لقاء فكري احتضنته مدينة مراكش، بمشاركة ثلة من الفاعلين السياسيين والمهتمين بالشأن المحلي بإقليم تنغير، طرح أسئلة جوهرية تتعلق بواقع التنمية الترابية وحدود الأدوار التي تضطلع بها الأحزاب السياسية بجهة درعة-تافيلالت.

غير أن ما طُرح في كواليس هذا اللقاء، وفي النقاشات الموازية له، يكشف عن مستوى أعمق من الإشكال؛ إشكال يتجاوز مجرد تقييم الأداء إلى مساءلة بنيوية للبدائل السياسية ذاتها، ومدى قدرتها على التحول إلى قوة اقتراحية وميدانية قادرة على كسر منطق الهيمنة وإعادة التوازن للمشهد الجهوي.

تشير المعطيات المتداولة خلال النقاش إلى أن الأحزاب السياسية، بما فيها تلك التي تقدم نفسها كبدائل، لم تنجح بعد في الارتقاء إلى مستوى التأطير المطلوب، سواء من حيث حسن اختيار الكفاءات أو من حيث القدرة على إنتاج نخب سياسية تمتلك الجرأة والكفاءة الأكاديمية اللازمة.

هذا الضعف البنيوي انعكس بشكل مباشر على الأداء السياسي داخل الجهة، حيث أفرزت العملية الانتخابية، في كثير من الأحيان، ممثلين يفتقرون إلى الحد الأدنى من التكوين العلمي والخبرة التدبيرية، ما ساهم في إضعاف القدرة على الترافع وجلب الاستثمارات، وبالتالي تكريس تبعية الجهة لمراكز القرار المركزية.

ومن بين أبرز القضايا التي طفت على سطح النقاش، استمرار منطق المركزية في التحكم في دواليب القرار، رغم ما أتاحه دستور 2011 من إمكانيات لتكريس الجهوية المتقدمة.
فجهة درعة-تافيلالت، وفق توصيف عدد من المتدخلين، لا تزال “تترنح بين أحضان الجهات”، في ظل غياب إرادة سياسية قوية قادرة على فرض نوع من الاستقلالية في تدبير الشأن الجهوي.

هذا الوضع يطرح تساؤلات حقيقية حول دور الفاعل السياسي المحلي والجهوي، ومدى قدرته على مواجهة ما يمكن تسميته بـ”القوة الناعمة” للأحزاب المهيمنة، التي استطاعت، عبر تراكمات زمنية، بسط نفوذها على مختلف مفاصل القرار، من الولاية إلى الأقاليم، في مشهد يحدّ من تكافؤ الفرص السياسية.

وفي سياق متصل، برزت مسألة التكتلات الانتخابية ذات الامتداد القبلي أو الاجتماعي كأحد أبرز مظاهر الاختلال، حيث يتم توظيفها بشكل مكثف خلال الاستحقاقات الانتخابية.
وقد اعتُبر فشل الأحزاب البديلة في اختراق هذه البنيات أو إعادة تشكيلها دليلاً إضافياً على ضعفها التنظيمي والميداني.

فبدل الاشتغال على بناء قواعد انتخابية قائمة على البرامج والكفاءات، ظلت العديد من هذه الأحزاب عاجزة عن منافسة شبكات النفوذ التقليدية، ما أدى إلى إعادة إنتاج نفس النخب ونفس آليات التحكم، خاصة على مستوى إقليم تنغير.

ورغم ما تزخر به جهة درعة-تافيلالت من مؤهلات طبيعية واقتصادية، من مناجم المعادن النفيسة إلى الرأسمال البشري المؤهل، مروراً بالمؤهلات السياحية العالمية، إلا أن النقاش خلص إلى مفارقة صارخة: جهة غنية في مواردها، لكنها ضعيفة في عائداتها التنموية.

وفي هذا الإطار، طُرح ما وُصف بـ”تحويل وجهة الاستفادة”، حيث تُوجَّه ثمار هذه الإمكانيات نحو جهات أخرى، في مقدمتها مراكش، التي تستحوذ على جزء مهم من الحركة السياحية والاستثمارات المرتبطة بها، في ظل غياب مرافعة سياسية قوية تدافع عن مصالح الجهة.

ويبرز مثال مدينة ورزازات، كقطب سينمائي عالمي، كأحد النماذج الدالة على هذا التحول، حيث يرى عدد من المتتبعين أن جزءاً من إشعاعها تم توجيهه نحو مراكز أخرى، ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية التمثيلية السياسية الجهوية في حماية المكتسبات.

كما لا يمكن إغفال معطى بالغ الحساسية يتعلق بطبيعة الاستثمارات الفلاحية والمنجمية بالجهة، والتي يصفها بعض السكان المحليين بـ”تافوناست” (البقرة الحلوب)، في تعبير دال على حجم الاستغلال الذي تتعرض له مواردها.

فبالرغم من وجود ضيعات فلاحية كبرى متخصصة في الورد العطري والتمور، واستفادة مستثمرين محليين إلى جانب فاعلين من جهات أخرى، فإن الإشكال الجوهري يكمن في تمركز مقرات ومراكز القرار لهذه المشاريع خارج الجهة.
إذ تستقر مكاتب عدد من التعاونيات والشركات المستفيدة في مدن كبرى مثل أكادير بالنسبة للاستثمار الفلاحي، والدار البيضاء بالنسبة لشركات المناجم، بل وحتى طنجة بالنسبة لبعض المستثمرين.

هذا الواقع يفرز اختلالاً بنيوياً في توزيع عائدات الاستثمار، حيث تستفيد جهات أخرى من القيمة المضافة، خاصة على مستوى فرص الشغل والخدمات المرتبطة بها، في حين تتحمل جهة درعة-تافيلالت كلفة الاستنزاف البيئي، سواء من حيث استنزاف الفرشة المائية أو استغلال التربة والثروات المعدنية.

وفي مقابل هذا الطرح النقدي، قدّم الدكتور حسن أزواوي، خلال اللقاء، مقاربة تقوم على ضرورة اعتماد التشخيص العلمي والدراسات الدقيقة كأساس لأي تدخل تنموي، معتبراً أن الذكاء السياسي للفاعل الجهوي يكمن في تقليص المسافة بين التعبير عن الحاجيات وتنزيلها على أرض الواقع.

غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته النظرية، يصطدم بواقع سياسي معقد، تتحكم فيه اعتبارات انتخابية وتحالفات ظرفية، ما يجعل من الصعب تفعيله في غياب نخب سياسية قوية ومؤهلة.

وفي ضوء ما سبق، يظل السؤال المركزي معلقاً:
هل تمتلك الأحزاب السياسية، الحالية أو الصاعدة، القدرة على تقديم بديل حقيقي قادر على كسر منطق الهيمنة وبناء نموذج تنموي منصف لجهة درعة-تافيلالت؟

المؤشرات الحالية لا تبدو مشجعة، خاصة في ظل ضعف التموقع الجهوي داخل هياكل الأحزاب الوطنية، حيث يلاحظ غياب تمثيلية وازنة لأبناء الجهة داخل المكاتب السياسية، وهو ما يطرح تساؤلات إضافية حول فرص التأثير في مراكز القرار، ناهيك عن الوصول إلى مواقع حكومية وازنة، كما كان عليه الحال في تجارب سابقة هل بإستطاعتنا إعادة تجربة السيد الوزير سعيد أمسكان.

ختاماً، يكشف لقاء مراكش، وما دار في كواليسه من نقاشات صريحة، أن أزمة جهة درعة-تافيلالت ليست فقط أزمة موارد، بل هي بالأساس أزمة تمثيلية وكفاءة ومرافعة، تتفاقم مع استمرار نزيف الثروات نحو خارج الجهة.

وفي انتظار بروز بديل سياسي حقيقي، يظل الرهان قائماً على إعادة بناء الثقة بين المواطن والعمل السياسي، عبر إفراز نخب جديدة تجمع بين الكفاءة الأكاديمية، والجرأة في الموقف، والقدرة على الدفاع عن قضايا الجهة داخل وخارج دوائر القرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.