بين الخطر وضرورة الإيواء.. صرخة من بني ملال حول ظاهرة المشردين ذوي الاضطرابات العقلية
**بقلم: سهيل أمخنتر**
**بني ملال – 12 سبتمبر 2026**
لا تزال شوارع مدينة بني ملال تشهد مشاهد تتراوح بين المأساوية والخطورة، متمثلة في وجود أشخاص بلا مأوى يبدو أنهم يعانون من اضطرابات عقلية ونفسية حادة. هذه الظاهرة لا تمس كرامة هؤلاء الأفراد فحسب، بل باتت تشكل تهديداً حقيقياً على سلامتهم وسلامة مستخدمي الطريق والساكنة بشكل عام.
وفي لقطة معبرة من صلب الواقع، تُظهر صورة تداولتها بعض الأوساط المحلية شخصاً عاري الصدر يمشي في منتصف الطريق الإسفلتي في وضح النهار، مانعاً حركة المرور ومخاطراً بحياته. هذا المشهد، على بساطته، يكثف جُملة من الإشكالات والتحديات التي تواجهها المدينة.
**خطر مزدوج: على المجتمع وعلى الأفراد**
تُعد هذه الظاهرة قنبلة موقوتة بأبعاد متعددة. فبالنسبة للمجتمع، يثير وجود هؤلاء الأشخاص في حالة هيجان أو غير واعية قلقاً بالغاً لدى المواطنين، الذين يخشون من ردود أفعال غير متوقعة قد تؤدي إلى اعتداءات جسدية، خاصة على الأطفال والنساء والشيوخ. كما أن السلوكيات العشوائية، مثل عرقلة حركة السير كما في الصورة، تتسبب في ارتباك مروري شديد وقد تؤدي إلى حوادث سير مأساوية.
ومن ناحية أخرى، فإن الخطر الأكبر يحدق بهؤلاء الأشخاص أنفسهم. فهم عرضة للإهمال، الجوع، البرد، والمرض، ناهيك عن خطر الموت المحقق تحت عجلات السيارات نتيجة تواجدهم في أماكن غير آمنة. إنهم ضحايا مزدوجون: لمرضهم النفسي وللتهميش الاجتماعي.
**غياب مراكز الإيواء المتخصصة: الثقب الأسود في المنظومة الاجتماعية**
يطرح هذا الوضع تساؤلات ملحة حول دور المؤسسات المعنية بتقديم الرعاية لهذه الفئة الهشة. ورغم الجهود التي تبذلها بعض الجمعيات المدنية، فإن الحاجة ماسة إلى تدخل هيكلي من طرف الدولة والسلطات المحلية. تفتقر بني ملال إلى مراكز إيواء متخصصة تتوفر على الرعاية الطبية والنفسية الضرورية لهؤلاء الأشخاص.
إن الاكتفاء بترحيل هؤلاء الأشخاص من مكان إلى آخر، أو محاولة جمعهم بشكل مؤقت خلال حملات عشوائية، لا يعدو كونها حلولاً ترقيعية لا تمس أصل المشكلة.
**دعوة للسلطات للتدخل الفوري والفعّال**
أمام هذا الوضع المتفاقم، تطالب ساكنة بني ملال، وفعاليات المجتمع المدني، السلطات المحلية والإقليمية بتدخل عاجل وفعّال للحد من هذه الظاهرة. ويجب أن يرتكز هذا التدخل على مقاربة شمولية تدمج البعد الأمني بالبعد الإنساني والاجتماعي.
وفي هذا الصدد، تتجلى الحلول القابلة للتطبيق في النقاط التالية:
1. **بناء وتجهيز مراكز إيواء متخصصة:** تخصيص ميزانيات لإقامة مراكز استقبال دائمة توفر المأوى، المأكل، والرعاية الطبية والنفسية الأساسية لهؤلاء الأشخاص، مع توظيف أطر متخصصة في الطب النفسي والعمل الاجتماعي.
2. **تفعيل وحدات متنقلة للرعاية:** إحداث فرق مشتركة بين القطاع الصحي والأمن والسلطات المحلية تتولى رصد هؤلاء الأشخاص في الشوارع وتقديم الإسعافات الأولية لهم ونقلهم إلى المراكز المختصة.
3. **إدماج القطاع الخاص والمجتمع المدني:** تعزيز الشراكات مع الجمعيات النشطة في هذا المجال، وتشجيع القطاع الخاص على دعم هذه المبادرات في إطار المسؤولية الاجتماعية.
4. **حملات تحسيسية ودعم الأسرة:** تنظيم حملات للتوعية بأهمية التعامل الإنساني مع ذوي الاضطرابات العقلية، وتوعية الأسر ومساعدتها لتجنب التخلي عن أبنائها المرضى.
إن ترك هؤلاء الأشخاص في الشوارع يواجهون مصيرهم لوحدهم ليس فقط علامة على ضعف المنظومة الاجتماعية، بل هو تقصير واضح في توفير الأمن والسلامة للمواطنين كافة. لقد حان الوقت لتتحمل جميع الجهات مسؤوليتها كاملة لإيجاد حل جذري لهذه المعضلة التي تخدش وجه مدينة بني ملال العريقة.