“حين تفقد السياسة معناها… يصبح الوطن هو الخاسر الأكبر”
سياسة-محمد النوري.
ليست السياسة رقعة شطرنج يتبارى فوقها المتنافسون بحثًا عن الغلبة، ولا حلبة للمناورات العابرة أو المصالح الضيقة، كما يحاول البعض تكريس هذا التصور في الوعي الجماعي. فاختزالها في مفهوم “اللعبة” لا يسيء إلى الممارسة السياسية فحسب، بل يفتح الباب أمام تبرير العبث بالشأن العام، ويمنح الفساد غطاءً أخلاقيًا زائفًا يبرر الانحراف عن جوهر المسؤولية.
في معناها الحقيقي، السياسة مسؤولية حضارية قبل أن تكون موقعًا للنفوذ، ورسالة لخدمة الإنسان قبل أن تتحول إلى وسيلة لتحقيق الامتيازات. إنها علم في التدبير، وحكمة في اتخاذ القرار، ورؤية تستشرف المستقبل، وقدرة على تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة. ولا ينهض بها إلا من جمع بين الكفاءة والنزاهة، وبين قوة القرار ونقاء الضمير.
فالدولة التي تتصدر فيها الاعتبارات الشخصية على حساب الصالح العام، سرعان ما تفقد بوصلتها، لأن السياسة حين تنفصل عن الأخلاق تتحول إلى إدارة للأزمات بدل صناعة للحلول، وإلى سباق نحو المواقع بدل التنافس في خدمة المواطنين. ومن هنا، فإن قيمة المسؤول لا تُقاس بما يملكه من نفوذ، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس، وبقدر ما يصون كرامتهم ويحمي حقوقهم ويعزز ثقتهم في المؤسسات.
ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تتجدد الحاجة إلى إعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها عقدًا أخلاقيًا بين المواطن ومن يتولى تدبير شؤونه، لا مجرد موسم للوعود أو مناسبة لإعادة إنتاج الوجوه ذاتها. فالأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما تبنى برجال ونساء يحملون من الصدق ما يجعلهم أمناء على إرادة الشعب، ومن الكفاءة ما يؤهلهم لتحمل أعباء المسؤولية.
إن مستقبل الوطن ليس رهين البرامج وحدها، بل رهين نوعية من يتولون تنفيذها. لذلك، فإن صيانة الحياة السياسية من العبث والانتهازية ليست مسؤولية المؤسسات فقط، بل مسؤولية جماعية تبدأ من وعي الناخب، وتمر عبر يقظة النخب، وتنتهي بإعلاء قيمة المحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى تستعيد السياسة مكانتها كأسمى أدوات الإصلاح، لا كوسيلة للهيمنة أو الاغتناء أو تصفية الحسابات.
ويبقى الأمل معقودًا على أن ينتصر صوت الضمير على ضجيج المصالح، وأن يبقى الوطن فوق كل اعتبار، لأن الأمم التي تحترم السياسة كرسالة، لا تسمح بأن تتحول إلى لعبة، ولا تقبل أن يكون مستقبلها رهينة لمن يفتقدون معنى الأمانة وثقل المسؤولية.
محمد النوري